يأتي تعامل مدارس والدورف من فهم لطبيعة الطفل حسب تصور ورؤية شتاينر لها، كما استطاع من خلالها التعامل مع الطفل وفتراته الحساسة بشكل جيد.

إذا أراد المعلم / المربي أن يقرأ كتابًا لكي يتعلم ما هي التربية وكيف يكون التعليم، فأطفالنا أنفسهم هذا الكتاب.

هكذا قال «رودولف شتاينر»، ولكي نقرأ أطفالنا بشكل جيد علينا أولًا أن نعي كل مرحلة من مراحل نموهم ومتطلباتها، لكي نستطيع التعامل معها بطريقة فعالة.

السنوات الأولى عند والدورف

تعطي والدروف لكل مرحلة عمرية ما يناسبها من معرفة، فالمعرفة المناسبة للمرحلة المناسبة، وعلى هذا:

1. السبع السنوات الأولى من حياة الطفل يعتمدون على المحاكاة «Imitation».

2. السبع السنوات التالية يعتمد الطفل على الخيال «Imagination».

3. السبع السنوات التالية نتعامل من خلال الحقائق «Truth».

من الأفكار الأساسية التي يعتمد عليها نظام والدورف، هي الطبيعة الثلاثية للكائن البشري «Threefold Human beings» المتمثلة في:

1. الرأس والجهاز العصبي والحسي.

2. القلب والنظام الإيقاعي.

3. الأطراف ونظام التمثيل الغذائي.

فلكل نظام منهم طريقته في التفاعل مع العالم الخارجي، وترجمت هذه الثلاثية لمراحل والدورف التعليمية المهمة:

1. التفكير «Thinking».

2. الإحساس «Feeling».

3. الإرادة «Willing».

فعندما تتناسق هذه الأنظمة الثلاثة وتتفاعل بشكل صحيح تساهم في تشكيل إنسان سليم وفعال، وبالعودة إلى وجهة النظر البيولوجية، حسب شتاينر، فإن خلايا الجسم تتبدل كل سبع سنوات، وعليه اعتبر شتاينر أن عملية تطور روحي ما مرتبطة بهذا التطور البيولوجي. فقسم مراحل تطور الطفل إلى ثلاث مراحل أساسية:

1. الإرادة: من الولادة وحتى عمر 7 سنوات.

2. المشاعر: المرحلة الثانية (7- 14 عامًا).

3. العقل والتفكير: (14- 21 عامًا).

ما قبل المدرسة أو رياض الأطفال «Will Stage»

تتسم المرحلة الأولى في عمر الطفل بالنمو الجسدي السريع والتعليم من خلال المحاكاة والتقليد واللعب، فالأطفال لا يقلدون كلماتنا وأفعالنا فقط، وإنما مواقفنا الأخلاقية والداخلية وسلوكنا أيضًا، فيكوّن الطفل ارتباطًا كبيرًا بالعالم من خلال الفعل أو من خلال أطرافه ويديه الصغيرتين وحواسه.

للسبع السنوات الأولى من عمر الإنسان أهمية قصوى، حيث إن معالم هذه المرحلة تستمر آثارها طوال حياته، فمن أهم فروض فلسفة والدورف أثر التعليم والتنشئة على تطور الفرد وانعكاسه فيما بعد على الجسد والقلب والروحانيات، فطفل اليوم هو رجل الغد حسب مقولة الشاعر الإنجليزي الشهير لـ«وليام وورودزورث – William Wordsworth».

وفي هذه المرحلة يتركز هدف المربي معلمًا كان أو ولي أمر على رعاية الأطفال وتركهم ينمون ويزهرون -على حد التعبير الشهير لمعلمي والدورف – دون تدخل منا يفسد هذا النمو الطبيعي الفطري، فقط فليبقَ المربي هادئًا ويترك لهم المساحة الحرة للتعلم من خلال الاحتكاك بخبرات الحياة المختلفة مما يعزز من فكرة فردية وفرادة الطفل أو «أبي المستقبل».

لهذا السبب تحديدًا، يعتقد معلمو ومربو والدورف أن الطفل قبل سن السابعة ليس جاهزًا بعد للتعلم الأكاديمي، فالقراءة والكتابة يتم تقديمهما على مهل، فالمقصود هنا ليس مجرد تأخر التعليم المبكر لذاته، وإنما الهدف هو عدم الضغط على الطفل ومراعاة طبيعته الروحية والجسمانية وفقًا لتطور نموه، فكل هذه الخبرات المبنية على الحواس والعمل اليدوي تؤسس للخبرات الحسية والشعورية خلال سنواته السبع التالية.

يعتمد الأطفال في هذه المرحلة على نموهم البدني، فكما يعتقد منظرو والدروف أنه من خلال هذه المرحلة تتم تحركات الطفل وأفعاله من خلال «إرادتهم»، فهم عادة يفعلون الأشياء فقط لأنهم يريدون فعلها، وليس لأنهم مضطرون للقيام بها، فعادة لن يتردد الطفل في الانخراط في أي نشاط يختاره، حتى ولو كان ذلك يعني الفوضى العارمة من منظور شخص بالغ.

فمن الطبيعي جدًّا لطفل هذه المرحلة أن يرغب في الطعام والرقص واللعب بالدمى، كل هذا في الوقت نفسه، فمفهوم الإرادة حسب فلسفة والدورف التعليمية يعني لديهم الكثير، فأحيانًا يشير لمجرد الاحتياج أو الرغبة في الفعل، وأحيانًا أخرى يشير إلى قوى عقلية ما تدفعنا للقيام بما يجب القيام به لإنجاز شيء نريده.

تتركز مهمة المربي في الحفاظ على طفولة أبنائه وتلاميذه في جو عائلي دافئ، فهذا مرتكز أساسي وما يدعمه والدروف في تعليمه «غير الأكايديمي» المبكر. ولما لا؟ فحياة الطفل في هذه السنوات السبعة الأولى هي سنوات السعادة والمرح واللعب والحرية والانطلاق والخيال.

يتعلم الطفل فيها من خلال المحاكاة وتقليد الكبار، لذا يجب على المربي أولًا تهيئة البيئة التعليمية تمهيدًا لكي يقبل الطفل على التعلم الأكاديمي فيما بعد -وإن لم يكن في والدورف تعليمًا أكاديميًّا جافًّا- كما عليه أن يكون مثالًا جيدًا للاحتذاء به.

اللعب الإبداعي الحر

إن اللعب الحر وتحرير الإبداع أساس في العملية التعليمية لوالدورف في هذه المرحلة الحساسة، فهو نشاط مركزي في حياة الأطفال الأسوياء، فاللعب يساعد الأطفال على الربط بين جميع عناصر البيئة المحيطة حسب اختيارهم لها، كما يمكنهم من استيعاب مفهوم الحياة الشامل من خلال خلق حياة خاصة بهم، ولأهمية هذه النقطة يمكننا أن نتحدث عنها في مقال منفصل لاحق.

الإيقاع الثابت

كما أن لإيقاع اليوم الدراسي دورًا مهمًا في التنشئة النفسية للطفل على أن يكون يومه مزيجًا بين الأنشطة الجماعية وبين الفردية، وكيف لا ونحن نحاول استعادة الطبيعة في كل ما نفعل، هكذا يرى شتاينر. أليس للقلب إيقاع وللتنفس إيقاع ثابت، وتعاقب الليل والنهار وتكرار فصول السنة الأربعة والاحتفالات السنوية مثل أعياد الميلاد، شهر رمضان، صلاة الجمعة للمسلمين وغيرها.

لا يقصد بهذا الأمر أبدًا الملل أو الرتابة، بل فكرة التتابع وتوقع الأحداث ووضعها وفق إطار تنظيمي أشبه بخطة عمل فيها قدر كبير من المرونة، فطوال الوقت للطفل حرية الاختيار بين الأنشطة المختلفة المقدمة، وتعود أهمية الروتين في أنها تساعد في تهذيب سلوك الطفل وأفعاله وتشعره بأمان من التصرفات المفاجئة التي يمكن أن تسبب له قدرًا من الارتباك.

تظهر فكرة الإيقاع بوضوح في الروتين الثابت لليوم الدراسي، أنشطة معينة تحدث في أوقات معينة خلال الأسبوع بل الشهر، كما أن هناك تتابعًا ما لهذه الأنشطة، فهنا والدروف تعتمد على فكرة نشاط يتبعه راحة فيما يسمى بالـ «breathing in & breathing out». فهناك إيقاع ما أثناء عملية التنفس، وذلك بتتابع حركتي الشهيق والزفير.

وعليه تم تصميم الدروس واليوم الدراسي وفق هذا الإيقاع الطبيعي. على سبيل المثال هذا نموذج ليوم دراسي:

نموذج ليوم دراسي، والدروف

كل هذه الموضوعات والأنشطة تتم وفق «تيمة أسبوعية موحدة – Weekly Themes»، مثل: الوقت، الإيقاع، الصيف، العطاء. فالقصة والأغنية والمهارة اليدوية ودرس التلوين وجولة الطبيعة، كلها تدور حول موضوع الأسبوع نفسه، وتخدم فكرته، وتركز على جانب من جوانبه.

على سبيل المثال: إذا اخترنا موضوع فصل الشتاء، فيمكننا أن نحكي حكاية الجرادة التي امتنعت عن تجميع مخزون طعامها لفصل الشتاء وفضلت اللعب في فصل الصيف، وما حدث لها، كما القصة يمكن أن نغني أغنية «قطورة الشهيرة»، أو أغنية:

جاء الشتاء جاء الشتاء بكل خير وعطاء جاء الشتاء…

يمكننا أن نصنع نشاطًا فنيًّا عن قطرة ماء المطر، نرى في جولة الطبيعة أثر الشتاء على النباتات والحيوانات المحيطة إذا وجدت، نقص حكاية قطرة المطر مستخدمين اللون الأزرق في التعبير عن أحداث القصة في درس الألوان المائية.

الغناء

يقوم الأطفال مع المربي بأداء أغنيات مختلفة حسب موضوع كل أسبوع، يمكن أن يستخدموا أغنية أو اثنتين على الأكثر خلال الأسبوع، بحيث تكون أبياتهما سهلة وقصيرة، وتتضمن الأغنيات بعض الأداء الحركي أو الرياضي، فهناك بجانب حلقة الصباح أغانٍ للصباح، للخبز، لتمشية الطبيعة، لأعمال التنظيف، أغانٍ انتقالية بين الأنشطة بسلاسة تمهد للنشاط التالي.

المشاركة في أنشطة الحياة العملية

تؤكد فلسفة والدورف التعليمية أهمية مساعدة الطفل في أعمال التنظيف والتنظيم اليومية، ومساعدته في عملية الطهي وتنظيم المائدة، فهو يساعد الطفل على ضبط أفعاله وسلوكه وحركته الدقيقة، لما تحتاجه هذه المهام من تنظيم وترتيب وتوالٍ، سواء كان الطفل يريد القيام بها أو لا.

جولة الطبيعة

من المهم جدًّا أن يلتحم الطفل بالبيئة المحيطة به ويكون جزءًا منها، فالخروج للطبيعة يومي في والدورف، يتبع أيضًا موضوع الأسبوع، يتعلم من خلالها الطفل أهمية الطبيعة وأنه جزء منها، كما تتعزز مهارات التأمل وأن يرى جيدًا وإرهاف حواسه وأن يسمع ويرى ما لا يراه غيره ممن لا يختلطون بالطبيعة. هل للطبيعة إيقاع؟ أين تختبئ الحيوانات؟ هل للبحر صوت؟ هل للغابات والحدائق رائحة؟ هل للهبوب الرياح نغمات مميزة… إلخ.

وبعد كل زيارة يقوم فيها الطفل بأخذ تذكار يضعه على طاولة الطبيعة الخاصة به، والذي يمثل أي فصل من فصول العام هو، على سبيل المثال، ويمكن الاستعانة بهذه الأشياء في نشاط المهارات اليدوية.

بما أن أطفال والدورف لا يتعرضون للتعليم الأكاديمي المبكر، فجولات الطبيعة هي المعلم الفطري للموضوعات العلمية المختلفة: فنحن نتطرق لعالم الحيوان وخصائصه، ولعلم النبات، ولقوانين الطبيعة المختلفة من دورات الحياة المختلفة، كما أنه يمكن للطفل أن يصقل مهارات الرياضية من خلال عد وربما جمع وطرح محتويات صندوق جولة الطبيعة الخاص به.

كما يمكن الاستبدال بجولات الطبيعة في نهاية الأسبوع جولات ميدانية، مثل زيارة أحد صناع الحرف اليدوية أو عامل بناء في موقع، خباز، مزارع وهو يقوم بعمله أو زيارة أحد المصانع للتعرف على طريقة ودورة تصنيع المنتجات.

الحكي والقصة

للقصة في يوم والدورف التعليمي أهمية كبرى، فهي جسر يربط بين الأفكار والموضوعات المختلفة وبين الطفل وخياله. فنحن هنا نحكي الحكاية من الذاكرة لا من كتاب، ونروي بأداء صوتي معبر عن الشخصيات وتنوعها وربما لما يحدث حولها، على أن تكون القصة قصيرة كلماتها بسيطة، تقوم على التكرار -إيقاع مرة أخرى- شخصياتها محببة للأطفال، مثل الحيوانات وغيرها، كما أنه يمكن أن تستخدم القصص الشعرية أيضًا.

يقوم المربي بالحكي في اليوم الأول، ثم يقوم في اليوم التالي برواية القصة بمساعدة مجموعة من العرائس ودمى الأصبع مثلًا، واليوم الذي يليه ربما يستعين المربي بأطفال للمشاركة في الأداء، إلى أن نصل إلى القيام بعمل مسرحية بسيطة ونقوم بتجسيد الشخصيات بشكل مبسط.

الأعمال المهارية والفنية

كما أن الأعمال المهارية اليدوية مهمة جدًّا في والدورف، فهي تفعل من أداة هذه المرحلة. اليد، فهي تساعد على تطور قدرته على التذوق الفني والإحساس بالجمال كقيمة، كما تعزز من احترام جميع أنواع الخامات والمواد المستخدمة.

على سبيل المثال يمكننا في والدورف صناعة أشياء جميلة من مواد معاد تدويرها، كل الخامات والألعاب في والدروف من مواد طبيعية: أخشاب، معادن، صوف، قطن. على سبيل المثال: عرائس والدورف الشهيرة التي تقوم على تلبيد الصوف بنغز إبر مخصصة، لذلك اختيرت خصيصًا لكي تساعد الأطفال في تدفئة أيديهم في فصل الشتاء. اليد مهمة جدًّا لهذه المرحلة، وعلينا الحفاظ عليها حتى يتمكن الطفل من استكمال نموه بشكل سليم.

كما نقوم بتنصيع بعض الأدوات المستخدمة فيما بعد: مثل ألوان شمع العسل، صناعة الشموع، تلبيد الصوف بالماء، وهكذا تقنيات ستستمر مع الطفل طوال رحلته في مدارس والدورف. يقوم المربي بتقديم المهارة الفنية مقسمة على عدة مراحل، مرحلتين أو ثلاثة، لكي يتعلم أن عملية تصنيع شيء ما كبير يمكننا أن نقسمه على مراحل صغيرة وبسيطة فيسهل علينا الاستمرار في العمل.

كما أن هناك نشاطًا شهريًّا يقوم به المربون أو الآباء أمام أطفالهم، لا يقوم الطفل بالعمل فيه، فقط يتابع المربي وهو يصنعه، وذلك تمهيدًا لامتلاك هذه المهارة فيما بعد، حيث إن كثيرًا من الأفكار التي يتم تقديمها من خلال المربي أو الآباء، يقوم بتصنيعها الطفل بنفسه فيما بعد في مرحلة الابتدائي.

كما أن هناك ضرورة في أن يرى الطفل قدوته وهو يغزل ويحيك ويصنع الدمى والألعاب، فهو يقلد كل ما يفعله ويقوم به، هكذا يتعلم الطفل، ويمكن أن يحكي المربي قصة أثناء صناعته للنشاط، أو يغني له أغنية تتناسب مع التيمة المخصصة لهذا الشهر.

دروس الألوان المائية

لكل أسبوع يتناول الطفل موضوعًا مختلفًا من خلال درس الألوان المائية، حيث يتعلم الطفل رهافة الحس عن طريق التماس القيم اللونية المختلفة، والربط بين اللون كقيمة وبين الإيقاع المروي أو المسموع أو المغنى، فيتعامل الطفل بتقنية معينة يتعلمها مع الألوان الأساسية في هذا العمر الصغير: أحمر، أزرق، وأصفر، ويستخدم لكل درس لونًا واحدًا فقط لكي يغوص لأقصى مدى مع اللون ودرجاته وسماكاته المختلفة.

يقوم بالأداء اللوني وهو يسمع قصة مستوحاة من اللون الذي يستخدمه، أو على نغمات أغنية أو نغمات موسيقى كلاسيكية يحاول الطفل في لوحته أن يتمايل مع فرشاته على هذه النغمات، لتنعكس من خلالها النغمات وتترجم إلى ضربات فرشاة لطفل صغير تظهر فيها درجات وكثافات اللون المختلفة ومدى تأثره بها.

المصدر: إضاءات