Posted on

بفلسفة المنتسوري ووالدورف: كيف تدرس مادة التاريخ لطفلك؟

تعليم التاريخ فلسفة المنتسوري ووالدورف

صلاح الدين الأيوبي قائد وزعيم إسلامي لا يقهر أم أن له أيضًا هزائم؟ فراعنة أم قدماء مصريون؟ الأندلس حضارة إسلامية أبهرت العالم أم أنها رمز استعماري؟ وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي تدل على روايات متوارثة متضاربة في التاريخ، البعض كان يعدها من المسلمات رغم أن الروايات الأخرى قد تتسم بالوجاهة وقدر من المنطق، فالتاريخ بالرغم من تعدد مدارسه ومناهجه واتجاهاته العلمية التي تحاول ضبط سياقاته لأنه دراسة لأحداث الماضي، فإن عمل المؤرخ يتضمن عناصر ذاتية لخضوع الحكي ومؤثرات الزمان والمكان، فهو يتطلب اختيارًا كما أخبرنا روبرت لافون في كتابه «التاريخ»، الموضوعية وعدم التحيز في كتابة التاريخ ومن ثم تناوله أمر غير متحقق تبعًا لطبيعة الإنسان نفسه، فالعقل ليس مجرد صفحة بيضاء تنطبع عليه المعطيات والمدركات الحسية وتتراكم دون تشويه، تغيير، تعديل، تبديل للواقع، والعكس هو الحادث تمامًا، فكما يؤكد المفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري في كثير من كتاباته رفضه فكرة الحياد، وأن هناك حتمية للتحيز في التعامل مع المدركات المختلفة؛ لأن عقل الإنسان عقل توليدي يعالج الأفكار والموضوعات وفق معطيات زمانه ومكانه، فالعقل الإنساني يعدل، يختار، يلغي، وربما يضيف للموقف الإنساني.


مداخل مختلفة لدراسة التاريخ

تتعامل كثير من الفلسفات التربوية المختلفة بشكل مختلف في تقديم مادة التاريخ لطلابها بحيث يتم تدارك بعض من إشكالياته السابق ذكرها والبعد عن الشائك منها، فهناك من يبتعد عن الأحداث السياسية المختلف على رواياتها والاكتفاء بتناول موضوعي للتاريخ، البعض يلجأ لتناول الحضارات الإنسانية المختلفة على أنها دراسة لتاريخ الأفكار ومحاولة الوصول للإجابة على تساؤل، كيف كان يفكر هؤلاء وفق سياقاتهم الزمنية، وماذا أنتجوا وكيف تميزوا.

يقدم التاريخ وفق هذه الفلسفات في إطار قصصي، وربما مشاريعي للطفل من عمر 3 سنوات وحتى عامه الـ12 حتى يكون قادرًا على التعامل بمفرده بعد ذلك مع أفكار الماضي ويستطيع الاستفادة منها في حاضره ومستقبله.


المنتسوري: كيف رأت ماريا تدريس التاريخ؟

أكدت ماريا مونتيسوري أن الفترة الحساسة لتناول الأطفال موضوعات مادة التاريخ من سن 6 لـ 12 عامًا، على أن تقديم بعض من الأفكار المتعلقة بها للأطفال في مرحلة عمرية سابقة من 3 لـ6 سنوات بشكل مبسط وأكثر تجريدًا، بحيث يبدأ من الرؤية الكلية للعالم للرؤية الأكثر قربًا لعالمهم، كثيرًا ما يسأل الأطفال في هذه المرحلة العمرية «لماذا» أثناء انتقالهم إلى التعلم الواعي، فضولهم عن العالم المحيط محركها الأساسي، يريدون أن يتعلموا عن بيئتهم من خلال حواسهم، فمن خلال ركن الثقافة يقدم للأطفال أنشطة مختلفة مثل الوقت، التقويم وملاحظة تغير الفصول، مقدمة عن الأرض ونشأة الكون والتطرق لكثير من الظواهر الطبيعية التي ساهمت في تشكيل كوكبنا بالحالة التي عليها الآن، فبالتأكيد على أن العالم لم يكن دائمًا مثلما نعيش عليه اليوم، وأنه منذ زمن بعيد لم يكن هناك كهرباء على سبيل المثال، تكون البداية.

ابتداءً من عمر 9 لـ12 عامًا يكون الطفل أكثر استعدادًا لدراسة التاريخ من وجهة النظر التحليلية والمقارنة وتزداد قدرتهم على فهم وتقبل التفسيرات المختلفة لأحداث التاريخ، وقدرة على نقد الحضارات وتحليل مخرجاتها الحضارية المختلفة، يبدأ الأطفال في طرح سؤال مختلف «من أنا؟»، وبعد استكشافهم العالم المادي من حولهم، لديهم المزيد من مهارات التفكير شغف أكبر للصورة الأكبر يتساءلون ما هو موقعهم في الكون؟

يستخدم معلمو المونتيسوري فكرة الخط الزمني Timeline كأداة لتقديم التاريخ وفق تسلسل زمني للأحداث، فبناء الطفل لخط الزمن يساعدهم في عرض الأفكار المجردة بشكل ملموس وتحويل التاريخ من مادة جافة لموضوعات حيوية يتفاعل معها الطفل من خلال تقديم خمسة دروس أساسية.

1. الدرس الأول: بداية الكون  

باستخدام بالون ونجوم ذهبية يبدأ الدرس لإخبار قصة بداية الكون، يتضمن بعض العروض التوضيحية التي تستخدم المواد الصلبة والسائلة لتوضيح كيفية تلاقي القارات والمحيطات معًا، يكون الطفل بعد هذا الدرس شغوفًا لتعلم أكثر عن نظام المجموعة الشمسية، النجوم، الكواكب والمجرات، أفكار عن المناخ وتغيراته، التحولات الكيميائية المختلفة، قوانين الفيزياء الطبيعية مثل الجاذبية والكهرباء والطاقة، موضوعات جيولوجية مثل الصخور وأنواعها الظواهر الطبيعية المختلفة الزلازل والبراكين والمعادن، مفاهيم جغرافية مثل الجبال والوديان، البحيرة والجزيرة.

نماذج من الدرس الأول الفيديو1 فيديو2

2. الدرس الثاني: بدء الحياة على الأرض

يقدم هذا الدرس خطًا زمنيًا للحياة على الأرض، يحتوي على صور ومعلومات عن الكائنات الحية الدقيقة والنباتات والحيوانات التي عاشت (أو تعيش الآن) على الأرض والتأكيد على التنوع الكبير في الحياة، ويتم إعطاء عناية خاصة «للوظائف» التي يساهم بها كل كائن حي في الحياة على الأرض، فالطفل يكون من خلاله شغوفًا ومستعدًا للتطرق إلى علم الأحياء، علم النبات، الشبكات الغذائية، الحياة القديمة والكائنات المنقرضة وعصور الأرض والحيوانات وتصنيفاتها.

نماذج من الدرس الثاني : فيديو1 فيديو2 فيديو3

3. الدرس الثالث: تطور الكائن البشري

يتناول هذا الدرس على خط زمني لتطور البشر على الأرض من خلال المنح الإلهية الثلاثة للإنسان الذي ميزه بها الله عن باقي المخلوقات: عقل للابتكار والإبداع، يد للعمل، وقلب قادر على الحب والعطاء هذا الدرس سيقود الأطفال إلى دراسة بداية الحضارات واحتياجات البشر الأوائل المختلفة من خلال التطرق لعصور ما قبل التاريخ، الحضارات القديمة، تاريخ العالم، الثقافات المتعددة والذي يوضح من خلال خط الزمن مدى التباين بين البشر وألوانهم وثقافاتهم وعاداتهم المختلفة، الاكتشافات والاختراعات والأحداث الجارية.

نماذج من الدرس الثالث : فيديو1 فيديو2

4. الدرس الرابع: قصة الكتابة والتدوين

حيث تعتبر اللغة هي التي قادت المجموعات البشرية للتقدم والتطور

نماذج من الدرس الرابع فيديو1 فيديو2

5. الدرس الخامس: قصة الأرقام

و من خلال الأرقام تطورت العلوم المختلفة التي أسهمت في تقدم البشرية .

نماذج من الدرس الخامس فيديو1 فيديو2


كيف ترى فلسفة والدروف، تدريسَ التاريخ؟

قصة وحكاية

يعتبر «رودولف شتاينر Rudolf Steiner» أن بداية تلقي الطلاب دروسًا تاريخية ابتداءً من عمر السابعة في مرحلة الطفولة المتوسطة بشكل تمهيدي، الملامح الأساسية لطفل هذه المرحلة هو التأثر القلبي، ومن ثَم كان القصص التاريخي، وخاصة التركيز على السير الذاتية، القصة والحكي من الدعائم الرئيسية لفلسفة والدورف التعليمية.

يرى شتاينر أن الأطفال دون الثانية عشرة من عمرهم غير مؤهلين لفهم حركة التاريخ، فما تفعله معهم قبل هذه السن هو تمهيد بسرد القصص التاريخية المختلفة والسير الذاتية المؤثرة أو القصص الأخلاقية، يصبح الطفل ناضجًا بالقدر الذي يسمح له بتناول التاريخ بمفهومه الصحيح عندما يتعلم التاريخ من خلال علوم النباتات وعلوم الحيوانات، فمن خلال تقديم الأرض على أنها وحدة وإظهار كيف ينبت على سطحها مختلف أنواع النباتات على مدار العام على اختلاف الفصول وأن يعرف علاقة الكائن البشري بعوالم مختلفة من الحيوان وتصنيفاتها والتكامل والتناغم البيئي بينهم، التعامل مع التاريخ بشكل تقليدي هو تعامل سطحي مع أحداثه الكبرى التي أثرت في حياة البشرية وتقدمها.

يقول شتاينر: «كثيرًا ما نسأل هذه الأيام عن أي كتب التاريخ نقرأ، أي مؤرخ الأفضل؟ في النهاية الإجابة، كل واحد هو الأفضل والأسوأ؛ لا يوجد بينهم فرق حقيقي»، لهذا السبب توصل إلى نتيجة مفادها أن تدريس التاريخ من خلال وصف الأحداث وأبطالها وحياتهم بطريقة تعيد إحياء الفترة الزمنية للحياة وعلى وجه التحديد جهود الأفراد وسعيهم في صنع التغيير في ظروف حرجة، يؤكد شتاينر هذا بقوله: «من خلال وصف مثل هذه الأشياء والحصول على أوصاف تصويرية من المصادر التاريخية المختلفة، يمكنك إيقاظ صور تقدم الحضارة عند الأطفال أنفسهم وهذا هو الشيء المهم إذا كان بإمكانك حينئذٍ أن تعرض عليهم أعمالاً فنية ولوحات بارزة من هذه الفترة، ستجد أن هذا يدعم ما تقوله».

رحلة وخبرة

يقدم التاريخ للأطفال الخبرات الإنسانية التي حققت تغييرًا فارقًا في مسيرة البشرية من خلال قصة علاقة الإنسان بالطبيعة، التقنية وأثرها على حياة المجتمعات وتطورها من خلال الأخذ في الاعتبار عناصر مهمة مثل: الوقت، التطور، الأفكار، الموقع، الانتماء والتاريخ كمدخل لدراسة طبائع البشر.

عندما نقوم بتدريس التاريخ، يجب أن نكون قادرين على إدراك رحلة الإنسان الروحية التي يمكن رؤيتها متجسدة في كل ثقافة في العالم، والتي تم التعبير عنها من خلال نمط الحياة، الفن والمصنوعات اليدوية المختلفة.

من العناصر المهم التأكيد عليها في تناول التاريخ كمفهوم هو إدراك الطفل للزمن والوقت، إذا أردنا أن نتحدث عن أحد الملوك الكبار الذي تعود فترة حكمه لمئات السنين، علينا التأكد أن الطفل لن يعتقد أننا نتحدث عن شخص جده الذي لا يزال على قيد الحياة، اطلب من الطفل أن يتخيل أنه يمسك يد والده، وأن والده يمسك والد جده، وجده يمسك يد والد جده الى أن تعود إلى الوراء ما يقرب من 60 عامًا على سبيل المثال، عندها يمكننا أن نغوص أكثر للوراء ربما لـ30 سلفًا ونوضح أنه ربما يكون الملك المقصود في القصة يكون هو السلف الثلاثين، فيرتكز تناول التاريخ وفق فلسفة والدورف على:

  1. وصف الرحلات الاستكشافية العظيمة.
  2. رسم صور بيانية لأهداف المجموعات المختلفة من البشر.
  3. وصف واضح للمهام الكبيرة التي قام بها الأفراد أو الجماعات والتأكيد على أنها نشأت من الظروف نفسها.
  4. إحياء المرحلة التاريخية من جديد للصغار.
  5. وصف كيف توصلت البعثات إلى فهم العديد من الأشياء الجديدة في الأراضي التي تم استكشافها والتعايش معها.
  6. من خلال السيرة الذاتية، التواصل في سياق التاريخ البشري، هناك الكثير من الأمثلة على السعي من أجل الخير.
  7. توضيح أن الصراعات والانتصارات تؤدي إلى حياة روحية وثقافية ثرية.
  8. كل هذا قائم على دعامتين رئيسيتين: الحكي والمحاكاة والرسم.

إذا تناولنا دراسة والدورف لحقبة تاريخية مثل الحضارة اليونانية، يمكن بتقديم بعض الأعمال الفنية البارزة في هذا العصر، تمثال افروديت نموذجًا، فيكون بالتحدث عن مظاهر الجمال في التمثال، ولماذا تعتبر آلهة الجمال من وجهة النظر اليونانية، بل يمكن الذهاب لأبعد من ذلك بالتطرق للقيم الفنية الثابتة والمتحركة فيه، إعطاء فكرة عن الحياة العامة بمناقشة الأفكار السياسية السائدة وتقديم الشخصيات الرئيسية التي ساهمت في تطور الحضارة اليونانية.

قوة هذه الأمثلة تكمن في أن بعضًا منها لا يزال باقيًا حتى يومنا هذا، بتتبع تطور فن النحت أو العمارة اليونانية، ذلك باستعراض الآثار الموجودة وتتبع تطورها سيرًا للوراء، مما يعطي تصورًا ملموسًا عن كل ما قدمته الحضارة اليونانية للإنسانية، وتقديم فكرة مهمة للطفل بأن الحياة السابقة للأقدمين ليست بعيدة تمامًا عنا، بل لها أثر على عالمنا المعاصر.

نماذج لبعض دروس التاريخ وفق فلسفة والدورف ضمن هذا الرابط

ليس تاريخ الحدث فقط، بل تاريخ الفكرة كذلك

بتتبع مختلف الابتكارات والمجالات الحياتية المختلفة تكون ثمة تصور ما عن العالم وأحداثه، تناول تاريخ الفن التشكيلي، تاريخ الطب، تاريخ العلوم، تاريخ الرياضات، تاريخ الموسيقى، تاريخ الأدب العربي والغربي وتاريخ الحرف التقليدية المختلفة، كما أن هناك مجموعة من الأفكار التي أثرت في مسيرة العالم وتطوره يمكن تتبعها من خلال دراسة لأفكار الفلاسفة والمفكرين الكبار لكل حضارة، يمكن الاستعانة ببعض الكتب التي تتحدث بشكل متخصص عن كل فرع من فروع الحياة وتاريخها.

نقد التاريخ

من المهم على كل مربٍ تسليح أطفاله ببعض المهارات للتعامل مع التاريخ أهم من تناول أحداث تاريخية بعينها، الماضي صعب الاستدعاء دون مهارات تعين الطفل، ومن ثم البالغ أن يتمتع بها، نستعرض منها لتأطير التفكير بشكل تاريخي علينا أن نعلم أطفالنا كيف يجيبون عن هذا التساؤل «كيف نعرف ما نعرفه؟»، وللإجابة على هذا التساؤل علينا أن نربي أبناءنا على أن:

  • هناك وجهات نظر وتفسيرات متعددة للأحداث.
  • الإطلاع وتحليل الوثائق الأولية.
  • التدقيق في المصادر.
  • فهم السياق التاريخي والاجتماعي.
  • اقتفاء الصلة بين الادعاء والدليل.

بعيدًا عن المواقف والأحداث، فالرجوع بالزمن للوراء لا يعني أننا نستطيع أن نحكم على شخوصه إما ملائكة أو شياطين وليس الهدف من قصص المبدعين والمفكرين والقادة هو وضعهم في مصاف الآلهة، أو حتى تدنيسهم، فهدفنا هو الاستنارة من تجارب وخبرات أسلافنا كيف واجهوا تحديات الماضي وفق معطيات زمانهم لإعطاء صورة واضحة عن كم الصراعات التي واجهوها لتنير لنا الطريق بتجنب ما اقترفه البعض من خطايا في حق البشرية وإكمال مسيرة المصلحين، فالتاريخ له حكايا وروايات كثيرة قد تصل من كثرتها حد التضارب، علينا قبل أن نقدمه لأطفالنا تسليحهم بالمهارات اللازمة للتعامل السليم مع روايته وألا يكونوا فريسة لاستقطاب المؤرخين.