Posted on Leave a comment

كيف تربي وتنمي ضمير طفلك ؟

طفل أم تربية ضمير

الضمير هو مستودع الانسان الذي ينظم فيه القيم والمبادئ والمعايير الأخلاقية حتى يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ والمقبول والمرفوض وهو يعمل كالقاضي الذي يحاكم الشخص نفسه ويحاسبه على كل أفعاله ويصدر القرار بالعقاب كاللوم والشعور بالذنب أو المكافأة كالرضا والارتياح والسعادة الداخلية، فكيف للأبوين أن ينموا ويربوا هذا القاضي علي قيم ثابته صائبة منذ الصغر ،ليصبح هو رقيب نفسه ويري الله في كل أفعاله؟

تبدأ شخصية الطفل في التكون من عمر 4-6 سنوات ويبدأ معها الضمير في النمو، فتتمثل في بداية الأمر بسماع صوت توجيهات الوالدين التي يكررونها عليه كصوت داخلي في عقله مما يجعله يتردد في استكمال هذا الفعل أو العند ومخالفه هذا الصوت، وكل هذا يرجع لكيفية اصدارنا نحن كآباء وأمهات لهذه الأوامر وأيضًا لدرجة تفاعلنا معهم ومدي قربنا منهم وتقديرنا لهم وبعض الأشياء الأخرى، والتي تختلف في الأساس حسب المرحلة العمرية التي يمر بها طفلك.

فطبقًا لعالم النفس الأمريكي لورانس كولبرج الذي طوّر نظريته الشهيرة  والتي تدعي « Moral Development»  من خلال عمله مع الأطفال، حيث يقوم بعرض قصص قصيرة علي مجموعة من الأطفال تحتوي على أحداث وأخطاء أخلاقية ولكنها مبرره بفقر البطل أو مرض احد اقاربه ولذلك يسرق مثلا لهذا السبب ، ومن ثم تحديد الأسباب الكامنة وراء احكامهم التي يطلقونها على بطل القصة بعد سؤالهم سلسلة من الأسئلة عما يرونه من صواب وخطأ في تصرفاته، حيث استطاع هذا العالم التفكير في الأسباب التي أدت لجواب كل طفلٍ ومن ثم تصنيف الإجابات إلى مراحل مختلفة، وجد أن الأسباب تتغير مع تقدم الأطفال في العمر:

ففي المرحلة الأولي (سن ما قبل المدرسة):

لا يعرف الطفل معني المبادئ أو القيم ولا يعرف تحديدًا الفرق بين الخطأ والصواب، لكنه يتخذ قراراته الأخلاقية بناءًا على تأثيرها عليه هو فقط، فهو يركز على العواقب الفردية، ولذلك ينصب تركيزه على الطاعة والعقاب ويعتقد أن هناك قواعد ثابته مطلقة يجب الالتزام بها دون نقاش فقط لتجنب العقاب حتى لا يواجه مشكله.

أما المرحلة الثانية من التطور:

يدرك الطفل أنه يجب أن يصبح جيدًا في نظر من حوله فهو جزء من المجتمع، وبتقدمه في العمر عند 9 سنوات حتى بداية المراهقة يصبح فهمه للتعريف الاجتماعي للأخلاق أوضح، وبعد أن كان يركز على ذاته فقط ويتجنب العقاب والمشاكل، تصبح معتقداته أكبر وقواعده ومبادئه تنصب للنظر علي من حوله ليصبح جيدًا في نظر المجتمع، ويشعر بضرورة الحفاظ على النظام المجتمعي ويستطيع إدراك السلوك المنحرف الغير أخلاقي لأنه يضر بالمجتمع ويهز نظامه.

في المرحلة الثالثة:

ينشأ وعي الطفل بالضمير عند البلوغ ويحدد اختياراته وفقًا لمعاييره ومبادئه ومعتقداته الأخلاقية، ويعتبر التطور في هذه المرحلة أكثر تعقيدًا حيث يبدأ بادراك إمكانية وجود تعارض بين ما هو مقبول اجتماعيًا وما يعتقده هو بأنه مقبول ، فيتجاوز من مرحلة ضرورة الالتزام بقوانين المجتمع إلى مرحله الالتزام بمبادئ الأخلاق التي تحكم البشر ككل، وهنا ينشأ الوعي بالضمير ويحكم ويقرر أفعاله من خلال المبادئ التي اكتسبها في المراحل السابقة والتي يدافع عنها حتي لو خالف المجتمع واضطره ذلك لتحمل العواقب، وقد ذكر كولبرج ذكر أن هناك بعض البالغين عالقين في المرحلة السابقة ولا يستطيعون بلوغ هذه المرحلة الناضجة.

كيف يستفيد الأبوين من هذه المراحل؟

تخبرنا هذه المراحل أن التعامل مع الطفل من ناحية الأخلاق تعتمد على مرحلته العمرية قبل أي شيء وبالتالي لا تلجأ لعقاب طفلك على تصرف غير مقبول أخلاقيًا وهو لا يزال في مرحلة أقل في تطور ضميره، فيجب أن تنظر أولاً للأسباب التي دفعته لهذا التصرف وتتحدث معه لتساعده أن يفرق بين الصواب والخطأ والتأكيد على تصحيح ما فعله. 

فمعرفتك أن طفلك في المرحلة الأولي ويركز على العقاب كنتيجة لتصرفه الخاطئ ستتغير حتمًا رد فعلك اتجاهه عن معرفتك بأنه في مرحلة يعي بها معايير المجتمع وقيمه وجوده ودوره في هذا المجتمع والتي تختلف كليًا عن معرفتك بنضجه وأنه واعي الضمير وأنه قد تتعارض أفكاره ومبادئه مع المجتمع حوله.

وكما أن هذه المراحل تتطور يجب أن يتطور تربيتك لطفلك وتختلف طريقتك معه حول تصرفاته فقد تجد نفسك في مرحلة ما تعلمه أن هذا التصرف جيد أو سيء لأسباب معينه ثم تعلمه في مرحلة لاحقه عن وجود وجهات نظر مختلفة حسب الشخصيات حول نفس التصرف وقد يخطأ الناس لأسباب معينه دون أن يعني ذلك أنهم سيئون وهكذا من التطورات.

وهنا سنعرض خمس نقاط هامة يجب مراعاتها اثناء تربية ضمير طفلك في مراحله المختلفة:

1. القدوة الحسنة

يكتسب الطفل الكثير من السلوكيات والمعايير الأخلاقية عن طريق التقليد حيث توجد داخل المخ خلايا Mirror Neurons هي المسؤولة عن التقليد منذ الولادة، والأسرة هي أكثر بيئة يحاكيها الطفل والتي تتمثل في الأبوين ومع مرور الوقت يتبني هذه السلوكيات والأفعال التي بدأت لمجرد تقليد حتى تصبح جزء من ضمير الطفل واساسيه في معاييره، لذا يجب على الأبوين تقديم قدوة حسنة لأطفالهم والالتزام بالمعايير الأخلاقية الصائبة.

  • إن حدث وأخطأت أمام طفلك فعليك الإسراع بالاعتذار ومحاولة اصلاح ما افسدته كي تعلمه ثقافه الاعتذار وأنه يزيد الشخص قوة وليس تعبيرا عن الضعف، كما أنه يعلمه الاعتماد على النفس ويبني لديه معايير قوية داخله كي لا يترك الخطأ ولا يتجاهله.
  • يجب أن تتطابق أقوالك مع أفعالك، فلا توجه طفلك لعدم الكذب وأنه سلوك سيء وحرمه الله تعالي وتأتي أنت وتطلب منه أن يكذب بإبلاغ المتصل أنك لست موجود، أو أن يكذب بحجه المزاج مع شخص ما او هذه الأفعال التي لا نلقي لها بالاً لكنها في الواقع لها تأثير بالغ الخطورة على أطفالنا حتى لا يدخل في تذبذب وحيره من أفعالك وأوامرك.
  • عليك أن تأخذ موقف واحد تجاه الخطأ، فلا تقبل فعل من طفلك أثناء هدوء بالك وتعتبره خطأ يجب أن يعاقب عليه فقط نتيجة أعباء الحياة عليك، فلا تجعل ضغوط الحياة تؤثر على رفضك وقبولك لأفعال طفلك حتى لا تحدث تشويشًا وارباكًا في معايير طفلك الداخلية بين الصواب والخطأ.
  • الحب الغير مشروط يلعب دور أساسي في بناء علاقة إيجابية بينك وبين طفلك والتي بدورها تبني ضميره الداخلي لنموه في اسرة يسودها الحب والتفاهم فينشأ متزن عاطفيًا يهتم بأمور من حوله ويراعي غيره في تصرفاته وينمو ضميره بشكل سوي.

2. بناء الشخصية

تأتي بناء شخصية الطفل في المقام الأول لبناء ضميره، فلا تهتم بجعل طفلك يخاف منك ويرتعد من كلامك وأوامرك له فبمجرد أن ترحل او يحدث موقف لست بجانبه فيه سيفعل عكس ما تمليه عليه حتي يشعر بالاستقلال، حيث يبدأ الطفل من سن الثامنة في البحث عن الاستقلال والشعور بأن النضج هو تنفيذ ما يريد وليس ما يمليه عليك أحد خاصةً الأبوين، وهذا الشعور يجب أن ننميه ولا نقف أمامه لنمنعه، بل نساعد الطفل علي تصحيح ما يريد فعله وتوجيه المفاهيم الداخلية لضميره.

 وهذا يمكن باستخدام القصص والحكايات التي تطور صميره وتجعله يفهم لماذا يشعر بالندم او كيف يشعر بالراحة والسكينة وكيف يعاقبنا الله علي أفعالنا السيئة وبذلك يراقب الله في تصرفاته ويخشي عقابه وليس عقاب الأبوين، فالله يراه في كل مكان حيث وجد وليس كالأبوين الذين بدورهم سيتركونه في بعض المواقف ويمكننا تلخيص بناء الشخصية فيما يلي:

  • احترام الاستقلال وأن طفلك شخص كامل مختلف وليس ظلاً لك.
  • تنمية الثقة بالنفس ودفعه للالتزام بوعوده والتصرف من وجهه نظره ثم التعليق بالتوجيه فقط دون اللوم والعتاب.
  • غرس مراقبة الله في تصرفاتنا حيث يعرف الله  ما نفكر به ولا يرى أفعالنا فقط، وأن هناك ملائكة يسجلون ما نقوم به من خير وشر.
  • الحرص على مراقبة النفس ومراجعة أفعالنا قبل النوم بالحديث مع طفلك عن أفضل ما فعل خلال اليوم وأسوأ ما فعله وما أخطأ به وما فعله من صواب وكيف يتجنب الأخطاء وكيف له أن يصلحها في اليوم التالي، وكل ذلك نستخلصه من الطفل نفسه حتى ينمي ضميره ويفهم مراقبة نفسه، دون التدخل بأوامر ولوم.
  • استخدام القصص التي تدعو للالتزام بالوعود وتنميه المعايير الأخلاقية وتجنب الأخطاء وكيفية إصلاحها.

3. العواقب المنطقية

يميل معظم الآباء والأمهات للثواب والعقاب اعتقادًا منهم أن هذا الذي يبني طفل صحيح الضمير، متناسين أن كثرة العقاب تجعل الطفل يشعر بالسيطرة عليه من الأبوين والتوجيه الدائم ولا يفعل تصرفاته من تلقاء نفسه بل فقط لمجرد أن يتجنب عقابهم، ولكن هناك فارق بين العقاب والعاقبة، فهناك عاقبة لكل تصرف متفق عليها فيما بينكم يفعلها الطفل بعد ذلك من تلقاء نفسه لأنها تُبني في داخل ضميره، فمثلاً (عندما يسكب العصير على الأرض عليه أن ينظفه بنفسه) وليس يعاقب بالضرب ويدخل غرفته لكي ينعزل عنكم لأنه تصرف بشكل غير جيد،

 وأيضًا (عندما تحذره أن القفز علي الكنبة خطر ويمكنه أن يسقط) فأنت غير مضطر لضربه لكي يتوقف عن هذا الفعل بل اتركه يفهم وحاول أن تساعده عند السقوط وبعدها لن يكررها مره أخري، تمامًا كتحذيرك له من شرب الشاي الخاص بك وهو ساخن جدًا عليه، بل اتركه يجرب حتي يعرف ماهي عاقبة تصرفه وأنت ما عليك سوي توجيهه فقط، 

وهذا المنوال علي معظم السلوكيات والأفعال وفي أثناء الدراسة ليس عليك أن تعاقبه لأنه لا يريد عمل واجباته بل اتركه يذهب إلي المدرسة دون عمل واجباته ليعرف ما نتائج فعله، وليس عليك سوي تحذيره وتوجيهه ثم تركه يفعل ويقرر بعد ذلك في المرة القادمة، فاحرص على استثمار المواقف التي يمر بها طفلك أو يشهدها، لتؤكد لديه بعض المعايير، حتي وان كانت لطفل آخر أراد أن يفعل كذا وحذره احد ابويه وفعله بالعند لكي يري العواقب المنطقية لتصرفات الآخرين أيضاً.

4. تجنب

  • العنف او الضرب  يدمر شخصية الطفل ولا يجعله سوي نفسيًا وبالتالي يصبح لديه خلل في السلوك.
  •  اللوم والتقطيم وكثرة النقد فهذا يجعله منبوذا ويشعره بأنه شخص سيء عديم الفائدة، فيكون رد فعله عدم تنفيذ أقوالك والنفور منها.
  • الالحاح في طلب تنفيذ الأوامر وملاحقته بما يجب أن يفعل وما يجب ألا يفعل، فهذا قد يدخله في حاله مرضية من الوسواس وضعف الشخصية نتيجة لجلد الذات المستمر.

5. تأسيس الوعي

عليك أن تنمي ادراك طفلك وتنتبه لمستوي معرفته وادراكه العقلي لفهم هذه القيم، فلا تطلب من طفلك أن يلتزم بتصرف أكبر من عمره ولا يستطيع أن يفهمه، كما يجب أن تشرح لطفلك سبب رفضك لهذا السلوك ولماذا هو غير مقبول لكي يستطيع أن يبني معاييره داخل ضميره حتي يتصرف في غيابك بعد ذلك في المرات القادمة، وعندما تنهيه عن فعل خاطئ يجب عليك أن تعطيه البديل حتي يستطيع معرفة ما يجب عليه فعله وليس معرفه المرفوض وحسب. 

واجتهد لتوجيهه بشكل عملي فإن رأيته يغش في اللعب مع أخوته أو اصدقاؤه فلا تنهره وتخبره أنه يفعل شيء خاطئ ومرفوض وحسب بل اشرح له بشكل عملي كيف يلعب وعلمه ما يفعله بالخطوات، ومن خلال الألعاب الجماعية التي تعتمد على قيم العدالة والتعاطف والتعاون، تستطيع تعليم طفلك أن الالتزام بقواعد اللعبة نابع من صوابها وأخلاقيتها لا من محاولته لتجنب العقاب وأن الشعور بالنجاح بعد الاجتهاد بشرف يكن أحلي من النجاح بالغش.

ومازال هناك الكثير من المحاولات لفهم كيفية تطور الطفل أخلاقيًا وكيفية تكون حسّه الضميري سواء في الفلسفة أو الدين أو علم النفس، ومع اختلاف قيم المجتمع وتطوره السريع يصبح من الصعب على الأسرة تربية طفل ناضج الضمير ولكنها مهمة قد تصبح سهلة بترسيخ القيم من الصغر ،، وقبل كل هذا تمحور الأسرة علي قيم ومعتقدات محددة ثابته تجعل من الطفل صاحب ضمير يقظ لما يراه بشكل عملي من أفعال وتصرفات، فابدأ بنفسك حتي ينشأ طفلك ذو ضمير سوي.

Posted on

5 طرق لتعزيز المناعة النفسية لطفلك

مناعة, أطفال, صحة, صحة نفسية, علم نفس, تربية, طفولة

المناعة النفسية مفهوم سمعناه كثيرًا في السنوات الأخيرة خاصة في المجالات المتعلقة بوعي الإنسان وتطور الذات، وتربية الأطفال والصحة النفسية للكبار والأطفال، ولكن ما معناه، وما أهميته؟

هناك ترجمات مختلفة لنفس الكلمة Resilience فهناك من يترجمها بالصمود النفسي أو المرونة النفسية أو المناعة النفسية، ويمكننا تشبيه المفهوم بمفهوم «الطفو» في الأجسام التي تطفو إذا تم الضغط عليها لتنزل تحت الماء تنزل لوقت قليل، ثم تطفو فوق السطح مرة أخرى!

كان مفهوم المناعة النفسية خلال العقود الماضية يعني تخطي الصدمات وتحديات الحياة المختلفة وعودة الشخص أو الطفل لطبيعته مرة أخرى متمسكًا بقيمه ومبادئه، أما حديثًا فتطور هذا المفهوم وأصبح بالنسبة للباحثين والمتخصصين الذين يتعاملون مع الأطفال ليس مجرد فقط «تخطي» الصعاب والصدمات أو «العودة للتوازن مرة أخرى»، ولكن التعلم من التجربة ككل وتعزيز هذه المناعة بشكل أقوى وأفضل للتعامل مع الصدمات القادمة.

وأيضًا ولم يعد يتعلق فقط بالصدمات والصعاب الكبيرة في الحياة ولكن حتى التحديات الحياتية واليومية العادية، حيث يتعلم الأطفال استراتيجيات للتعامل معها وتتطور لديهم مهارات حل المشكلات والوعي بالذات والتعامل مع المشاعر والثقة بالنفس وتقدير الذات والإرادة وما إلى ذلك فتجعلهم «يستبقون» بالتعامل المناسب مع الأمور والتحديات الحياتية المختلفة.

ولا تتعلق المناعة النفسية بالمثالية أو الكمال، ولكن بالعكس فمع المناعة النفسية يتقبل الإنسان الأخطاء والفشل والإحباط ولكن يتعلم منه ويتخطاه بمرونة وثبات.

ومن نعم الله علينا أنه كما يمكننا تعزيز وتقوية المناعة الجسدية لأطفالنا بالغذاء الصحي والرياضة وغيرها من العوامل، يمكننا أيضًا أن نعزز ونطور المناعة النفسية لديهم، وأن نحول المواقف اليومية الاعتيادية والتعامل معها في هذا الاتجاه، بدلًا من تفويت فرص هائلة عليهم لبناء تلك المناعة التي لا غنى عنها في كل مراحل حياتهم، بل أنها تعتبر من أهم ما يمكن تقديمه لأطفالنا خاصة في هذا العالم المليء بالتطورات والتغيرات المتلاحقة بقوة.

وإليكم بعض الطرق لتعزيز المناعة النفسية:

1. وفر بيئة آمنة عاطفيًا للطفل

عندما يشعر الطفل بالأمان العاطفي حتى في لحظات الضغط والغضب والإحباط، يصبح مقدمًا على استكشاف الحياة لأنه يعلم أن هناك من يقف وراء ظهره، من يدعمه ويتفهم مشاعره ويساعده في التعامل معها، من يقدم له حبًا غير مشروط في جميع الأحوال، من لا يحكم على مشاعره حتى وإن رفض تصرفاته ولكنه يتفهم ويتقبل مشاعره في كل الأحوال، فعندما يشعر الطفل بالأمان التام والدعم والتقبل تتصل الخلايا العصبية في دماغه بشكل سليم وسوي على مدار رحلة نموه وهذا ما يتيح له التعامل مع الضغوط والتحديات بشكل سوي (وليس مثاليًا في كل الأحيان) وتتكون لديه مفاهيم التقدير الذاتي والثقة بالنفس ويشعر بالقدرة لأنه استطاع أن يتخطى المشاعر الصعبة بدلًا من الغرق فيها ويتعامل مع الفشل والإحباط وبالتالي يجعله هذا ينطلق في الحياة أكثر وأكثر بإرادة وثبات.

2. دع طفلك يحاول القيام بالأمور بمفرده منذ عمر مبكر

تخلص من قلقك بأن عليك حماية طفلك من كل المواقف والمشاعر، هذا بالطبع لا يعني أن تهمله، ولكن القيام بالأمور بدلًا منه وحتى منعه من الشعور ببعض المشاعر بدعوى الخوف عليه يحرمه من فرص عديدة للتطور، بل يحد من قدراته ومهاراته العقلية والجسدية والنفسية. قف في ظهره شجعه وابتسم ولا تتكلم واتركه يتفاعل مع الحياة بصورها المختلفة.

3. مرن عضلة الإحباط

تذكر في لحظات الإحباط التي تمر على طفلك أن تعاطفك هو أهم عامل يحتاجه لتخطي تلك المشاعر والتعامل معها، وأن حل المشكلة لطفلك أو التخلص من مصدر الإحباط لا يفيده أبدًا لأنك لن تبقى معه طوال حياته لتحميه من الإحباط الذي سيقابله، انتهز تلك الفرص الذهبية وساعده على تدريب ما نسميه مجازًا «عضلة الإحباط»، وذلك بالتعاطف وتفهم المشاعر.

4. ركز على العبارات الإيجابية والتشجيع

تتكون صورة الطفل عن نفسه وعن قدراته من خلال الصورة التي يقدمها والداه له، والعبارات، ولغة الحوار السائدة في المنزل أثناء تفاعلاته اليومية. فإذا كانت لغة الحوار إيجابية تحترم الطفل وقدراته، وتوفر له حرية التصرف والاختيار فيما لا يضره أو غيره، تتطور المناعة النفسية عند الطفل، أما اللوم والتوبيخ والوعظ المباشر وإصدار الأحكام والألقاب فيترجمه عقله بنقص في قيمته وتقديره الذاتي وبالتالي نقص في مناعته النفسية.

5. أوقف «لماذا» وابدأ بـ «كيف»

لا يعزز استخدام كلمة «لماذا» مهارات حل المشكلات عند الأطفال عند حدوث موقف ما، فمثلًا سكب الطفل اللبن أو ترك دراجته في الخارج في الأمطار فهل يفيده السؤال بـ «لماذا سكبت اللبن أو تركت الدراجة؟»، أما السؤال بـ«كيف» فهو يعزز مهارة حل المشكلات عند الطفل لأنه يبدأ في التفكير في حل المشكلة بدلًا من شعوره بالاتهام ومحاولة الهروب.

مثال: كيف ستتعامل مع اللبن المسكوب؟ كيف ستصلح دراجتك؟

وبالتالي على مدار تفاعلات وتحديات اليوم يمكننا استخدام السؤال «بكيف» حتى ندرب الطفل، فالدماغ يبدأ بالمقاومة إذا شعر بالاتهام واللوم ويبدأ في التعاون والتفكير إذا دعوته لذلك.

بالرغم من أن مفهوم المناعة النفسية يبدو جديدًا علينا أو قد نتخيل أنه يحتاج إلى مجهود إضافي مع أطفالنا أو إلى إعدادات وتحضيرات مسبقة، وقد يشعرنا هذا بالضغط ولكن الحقيقة أنه يمكننا تحويل التفاعلات والمواقف اليومية مع أطفالنا في المنزل وبنفس الوقت والجهد المبذول (حتى وإن كان محدودًا) إلى طريق آخر يعزز في مناعتهم النفسية بدلًا من تفويت تلك الفرص البسيطة والهائلة، البسيطة في فعلها والهائلة في تأثيرها، وهي فرص فعالة جدًا، أو بدلًا من التعامل بما يزيد من هشاشتهم النفسية -إن جاز التعبير.

أصبحنا في عالم مليء بالضغوط والتغيرات اليومية، ولن يستطيع أطفالنا مواجهة كل ما يحدث -خاصة في عالمهم المنفتح تمامًا- إلا بمناعة نفسية قوية تمنعهم من الوقوع في مجاهل التغيرات المتلاحقة.

Posted on

ألعاب وتحديات تنمي 9 جوانب لشخصية طفلك

طفل، أنشطة، مهارات، جوانب شخصية

بما أن اللعب يحتل مساحة كبيرة من حياة الأطفال، وعن طريقه يستكشفون بيئتهم المحيطة وتنمو مداركهم؛ إذن يمكننا استثماره لصالح تعليم الطفل وإكسابه مهارات متنوعة، وكذلك ليقوم الطفل بأداء مهامه وواجباته دون توجيه مباشر له؛ فينقاد للأمر بسهولة أكبر دون شعوره بالضجر، فاللعب يمنح الطفل إحساس الحرية والمتعة، ويخلق بداخله دوافع ذاتية لأداء المطلوب منه.

إليكم عدة أفكار لتحديات وألعاب مختلفة تنمي شخصية الطفل، مع التنبيه على أن تكون المنافسة بين الطفل وذاته، بمعنى أننا نقيس تقدم مستواه بمقارنته بمستواه السابق، ونحترز من التنافس بين الأطفال لئلا نقع في المقارنات بينهم؛ فتنشأ آثار سلبية نحن وأطفالنا في غنى عنها.

1.  المساعدة في مهام المنزل

نجعل الطفل يختار المهام بنفسه من ضمن قائمة تضم المهام ولكن بأسلوب شيق، مثلًا إذا اختار أن ينضم لقوة مكافحة الغبار والأتربة إذًا عليه ارتداء الزي الرسمي ويتسلح بالأدوات اللازمة التي قمنا بجمعها في سلة، مثل فوط لتلميع الخشب والزجاج مع الملمعات الخاصة بكل منها، وفرشاة للتحف والأشياء الدقيقة، وإن كان بإمكانه استخدام المكنسة فليقم بالمهمة كاملة.

من الأفضل مناقشته حول خطته بحيث نعلمه تجزئة المهمة الكبيرة لمجموعة مهام صغيرة يمكن أن تتخللها فترات راحة دفعًا للملل والتعب، ونكسبه مهارة تحديد الأهداف والتخطيط فيختار بأي جزء يبدأ، ثم الذي يليه وهكذا حتى يتم المهمة بنجاح ويحصل على وسامًا مجازيًا تقديرًا لنجاحه في أداء المهمة.

يمكن تطبيق مثل هذا التحدي على أي مهام منزلية أخرى، مثل قوة مكافحة البقع التي تصيب الأسطح والأرضيات، شرطة مكافحة الجراثيم، أومنع ظهور الروائح الكريهة فيتتبع أي مصدر يمكن أن تنبعث منه وينظفه بالمواد الملائمة، شرطة للقبض على الملابس المتسخة وجمعها في المحبس أي سلة الملابس تمهيدًا لتنظيفهم.

كذلك يمكن مشاركتهم لنا في المطبخ، نتخيل أننا شركاء في إدارة مطعم، ونختار له اسمًا وشعارًا يميزه، ونبدأ في وضع قائمة للأكلات الرئيسية والأطباق الجانبية والسلطات والمشروبات والحلويات، وكل فرد عليه أداء مهمة إعداد ما يستطيعه من تلك القائمة مع الحرص على تقديمه في أفضل صورة لجذب الزبائن إلى المطعم. ولا ننسى توزيع المهام التنظيمية من إعداد المائدة وغسل الصحون … إلخ.

من المفيد إشراكهم في إدارة موارد البيت، فنقوم بتشكيل وزارة اقتصادية مهمتها ترشيد استخدام الموارد ووضع خطط لاستثمارها، والتفكير في إضافة موارد أخرى فيكون بيتنا منتجًا لا مستهلكًا فقط. هذه الفكرة كفيلة بإشعارهم بمسئوليتهم في الحفاظ على ممتلكات البيت وعدم الإضرار بها وإلا سيضطرون لإصلاحها أو استبدالها، وكذلك سيتولد لديهم الوعي بأهمية النقود، وأن إنفاقها يتم وفق حدود وحسب الأولويات.

2. استشعار النعم

تحدٍ دون إبهام

يتم ربط إصبع الإبهام في باطن الكف، ويحاول الطفل استخدام يده في الإمساك بالأشياء والتعامل معها، فيكتشف أهمية هذا الإصبع وأنه يمثل خمسين بالمائة من وظائف اليد.

تحدٍ دون إبصار

يغمي عينيه ويبدأ بالتحرك والإمساك بالأشياء، فيكتشف نعمة الإبصار ويشكر الله عليها ولا يستخدمها في معصيته كأن يتطلع لعورة غيره. يستطيع أيضًا تنمية مهارة التمييز باللمس stereognosis بهذا التحدي فيتعرف الأشياء المألوفة بتحسسها ولمسها دون النظر إليها، ويمكن زيادة التحدي بجعله يرسم أو يكتب وهو مغمض العينين.

تحدٍ دون صوت ولا كتابة

فيحاول التواصل معكم بالإشارة فقط. يمكن تعميم مثل تلك التحديات فيتخيل فقدان أي شيء مادي في بيئتنا المحيطة من أدوات وأجهزة ومختلف الموارد؛ ليستنتج مدى أهميته.

3. تنمية المهارات الذاتية

تحدي الزمن

يقيس سرعة أداء المهام بشرط توفر الإتقان بحد مقبول، مثلًا: سرعة ارتداء ملابسه أو حذائه، سرعة أداء الفروض المنزلية، سرعة ترتيب غرفته…إلخ، في كل مرة نقيس سرعته الحالية بسرعته السابقة، لكن مع التسليم بأنه سيصل إلى حد معين لا يستطيع تجاوزه، وإلا سيخل بأداء المهمة بشكلٍ لائق، سيتعلم من هذا التحدي قيمة الوقت واستثماره بشكل أفضل.

تحدي الثبات والتحكم في النفس

من أشهر الألعاب في هذا الشأن لعبة التماثيل لا تتحرك، فيتخذ وضعية ليثبت عليها ولا يتحرك تمامًا ويثبت نظره بقدر استطاعته، ولا يتفاعل سواء بالضحك أو الكلام  مع الشخص الذي يحاول إخراجه عن ثباته مهما فعل.

4.  التمثيل والمحاكاة

يستطيع اكتساب العديد من المهارات بهذه الطريقة، فمثلًا يقلد المعلم ويقف يشرح سواء للوالدين أو الإخوة، أو لمجموعة من ألعابه يصفّهم أمامه. يقوم بتقليد الخطيب أو إمام المسجد أو أي متحدث إلى جمهور، ومع الوقت سيشعر بتمكنه وأنه يستطيع فعل تلك الأمور على أرض الواقع.

يمكنه كذلك محاكاة المهارات والحرف اليدوية، ويقيس تقدمه مع استمرار محاولاته مثل تحسين الخط أو الرسم.

يمكن تجسيد موقف لوجود خطرٍ ما، وننظر كيف يتصرف الطفل في مثل هذا الموقف، ثم نناقشه ونقيّم تصرفه ونقوِّمه بلطف دون اتهامه بأنه أساء التصرف، يكفي أنه حاول في ضوء خبرته.

5. الاهتمام بالصحة

تحدي اللياقة البدنية

توجد تمارين كثيرة تنمي لياقة الأطفال ومنها اليوجا، ويمكن إضافة المرح بجعله يقلد حركات الحيوانات.

تحدي الإفطار الصحي

أن يقوم بتحديد مكونات صحية لإفطاره، ويعده بنفسه وبالقدر الذي يكفيه، ويتناوله في موعد محدد وثابت يوميًا، يفضل قبل العاشرة صباحًا. يمكنه الإبداع والتفنن في تزيين طبقه.

قوة مكافحة الأطعمة الضارة

يقف الطفل بالمرصاد لأي مكونات ضارة تحاول دخول معدتنا، فيمنع الحلوى والعصائر المتهمة باحتوائها على مواد حافظة، ويوقف السكر عند حده الذي لا يسمح له بتجاوزه، ويحارب الملوثات التي تعلقت بالخضر والفواكه فيقوم بغسلها جيدًا…إلخ.

6.  تنمية المهارات الاجتماعية

لعبة الضيوف

نقوم بالتمثيل مع الأولاد فيكون كلٍّ له دور، ومن خلال اللعبة يمكننا تعليمهم كيف يحسنون التصرف سواء كانوا ضيوفًا أو مضيفين.

تحدي الابتسامة

أن يظل مبتسمًا أطول فترة ممكنة مهما تعرض لمنغصات، كلما زادت الفترة زادت عدد نقاطه، علينا تذكيره بلطف ” أين ابتسامتك الجميلة؟”

7. الارتقاء بمهارات العقل

تحدي البديل

عليه أن يتخيل عدم وجود آلة أو أداة معينة، ويفكر في حل بديل لإتمام المهمة دونها. ويمكن عكس هذا التحدي، بحيث يفكر الطفل في استخدامات جديدة وغير مألوفة لهذا الشيء.

تحدي الثلاثة ألوان

عليه تلوين الرسمة كاملة بثلاثة ألوان فقط، يمكن أن نتيح له اختيار الخلط بينهما أو نمنع ذلك لزيادة التحدي.

تحدي الأنماط

نرسم للطفل أشكالاً أو نكتب أعدادًا بنمط معين وعليه أن يستنتج ما يكمل به التسلسل، فتنمو لديه مهارة الاستدلال الشكلي والحسابي. يمكن الاستعانة بقوالب هندسية يكون منها الطفل شكلًا متكاملًا، أو نستخدم المكعبات الملونة ونطلب منه ترتيبها بنمط معين حسب ألوانها. كذلك يمكن تدريبه على الاستدلال الحركي، فمثلًا نؤدي عدة حركات متتالية بنمط معين ثم نتوقف ونطلب منه استنتاج الحركة التالية، فنقوم مثلًا بالتصفيق ثم التربيت على الفخذين ثم القفز ثم الدوران ثم نعيد الأربع حركات بنفس الترتيب.

تحدي الإبداع

نرسم له خطوطًا أوأشكالًا عشوائية أو دوائر صغيرة متفرقة فيقوم بتوصيلها بحيث يخرج بشكل جمالي أو شيء مفهوم. يمكن رسم شكل هندسي فيحاول الطفل أن ينطلق منه لرسم لوحة، أو عرض أشكال هندسية مختلفة على الطفل فيدمجها لتكوين شكل مألوف، أو الرسم باستخدام الأرقام أوالحروف الأبجدية سواء العربية أو الأجنبية. من الممتع أيضًا الاستعانة بمساطر spirography لإنتاج أشكال إبداعية، ونستطيع صنع بديل لها إذا لم تتوافر لدينا.

8. تحديات لغوية

يمكن ممارسة عدة ألعاب لتنمية مهارات اللغة المختلفة،إلى جانب تحويل دراستهم إلى ألعاب وتحديات مثل تحدي التهجئة أو الإملاء، تحدي التحليل والاستنتاج فلا يقتصر على قراءة السطور، بل يقرأ ما بين وما وراء السطور…إلخ، كتب الألغاز والأشعار مفيدة جدًا في هذا الشأن.

يمكنك قراءة 4 مهارات أساسية لطفلك: ما هي؟ وكيف تنميها؟

9. لأداء العبادات

لتشجيعه على صلاة الفرائض الخمس يمكن رسم مثل شكل بطارية الهاتف المحمول، وتقسيمها لخمسة أقسام، وكلما أدى صلاة يلون قسمًا منهم حتى يكتمل شحنها. وهناك فكرة بناء الهرم المكون من خمس لبنات أو الهرم المدرّج المكون من خمس درجات، عليه أن يكمل بناءه بأداء الخمس صلوات.

أما مدارسة سور القرآن فيمكن استخدام فكرة القلب المضيء، نرسم قلبًا ونقسمه بعدد سور جزء عم مثلًا، وكلما درس الطفل سورة منهم واستخرج منها العظات والوصايا العملية يقوم بتلوين موضعها من القلب حتى يشرق القلب كله باكتمال السور التي بداخله.

Posted on

6 نصائح لطفل واثق بنفسه

طفل، الثقة بالنفس


عندما نؤمن بأنفسنا، نستطيع أن نخاطر بالفضول، الدهشة، البهجة العفوية أو أي تجربة قد تتكشف فيها الروح الإنسانية.


الكاتب الأمريكي إدوارد كامينجز

تنطبق المقولة السابقة على الأطفال أيضًا؛ فالطفل الذي يؤمن بقدراته ويتمتع بتقدير الذات والثقة بالنفس يمتلك من الشجاعة ما يدفعه للانطلاق لتجربة الجديد دون أن تقيده أغلال الشك ولوم الذات والخوف من الفشل مهما تكررت محاولاته للتعلم، مما يؤثر على تطوره النفسي والإدراكي وحتى تحصيله الدراسي وعلاقاته الاجتماعية.

الثقة بالنفس هي ثقة الشخص في قدرته على الانخراط في العالم بشكل ناجح أو على الأقل بالشكل الكافي، مما يمنحه القدرة على قبول التحديات واستغلال الفرص وتحمل المسئولية والتعامل مع المواقف الصعبة، ينعكس ذلك على علاقته بنفسه وعلاقاته بالآخرين وبالتالي تقديره لذاته.

تقدير الذات، متى يبدأ وكيف يتطور؟

تقدير الذات أو شعور الطفل بقيمته الشخصية هو مزيج من شعوره بالثقة بالنفس والكفاءة والتقبل غير المشروط، يبدأ ذلك مبكرًا مع إحساس الرضيع بالأمان والحب والرعاية ويزيد من العام الثاني للعام السابع نظرًا لتطور قدرة الطفل على إنجاز بعض المهام بمفرده ومحاولاته للاستقلالية والاعتماد على النفس، ورغبته الفطرية للتعلم وتكرار المحاولة إلى جانب تشجيع الوالدين وانتباههم معظم الوقت في هذه المرحلة المبكرة، فتقدير الذات والثقة بالنفس ينموان بنمو الطفل ومحاولاته للتعلم وتنمية مهاراته وتحقيق الأهداف المختلفة وكيفية تعامل المحيطين معه.

العوامل المؤثرة على ثقة الطفل وتقديره لذاته!

إلى جانب تطور الطفل النفسي والإدراكي يتأثر تقدير الطفل لذاته بعدة عوامل داخلية وخارجية.

شخصية الطفل

يتميز كل طفل بطباع متفردة وتؤثر شخصيته على اكتساب الثقة وتقدير الذات فالطفل الذي يتمتع بشخصية مرنة يمكنه قبول التحديات والمثابرة على حل المشكلات بالتالي يكتسب الثقة التي تدفعه للاستمرار في المحاولة والتعلم وهكذا، بينما قد يشكل الدخول في هذه الدائرة بعض الصعوبة -ويتطلب المساعدة أحيانًا- لطفل لا يتمتع بنفس الدرجة من المرونة، مما قد يؤدي لإصابته بالإحباط سريعًا وبالتالي تتأثر ثقته بنفسه.

الدعم الخارجي

تؤثر الرسائل التي يتلقاها الطفل من المحيطين على ثقته بنفسه وتقديره لذاته، الرسائل الإيجابية والتشجيع تدعم ثقته بنفسه وترسم صورة ذاتية إيجابية، من جهة أخرى التجاهل أو الانتقاد الدائم يؤثر سلبًا على تقدير الطفل لذاته وثقته بنفسه.

المشاكل الأسرية

اضطراب علاقة الوالدين وتوتر الجو العام في المنزل قد يخلق لدى الطفل شعورًا بالذنب ويؤثر سلبًا على تقدير الذات والثقة بالنفس خاصة في مرحلة المراهقة، كلما كانت العلاقات العائلية أكثر استقرارًا كلما تمتع الطفل بثقة أكبر وتقدير أعلى لذاته.

التأثر بالأقران

سواء كانوا أصدقاء أو زملاء في المدرسة أو النادي أو حتى متنمرين، يؤثر احتكاك الأطفال بأقرانهم على ثقتهم بأنفسهم، فالطفل الذي يتعرض للتنمر باستمرار أو يتم رفضه من قبل الأطفال الآخرين قد تهتز ثقته بنفسه ويتأثر تقديره لذاته بالسلب، على عكس الطفل الذي يتمتع بعلاقات صحية مع أقرانه.

ممارسة الأنشطة المختلفة

المشاركة في الأنشطة الرياضية والفنية المختلفة يعزز ثقة الطفل بنفسه، فممارسة الرياضة تدعم الشعور بالإنجاز والاستحقاق والمشاركة في فريق رياضي يمنح الطفل الشعور بالانتماء والقبول.

الأنشطة الفنية كالرسم والموسيقى تساعد الطفل على التعبير عن نفسه واستخدام خياله وتمنحه إحساسًا بالتميز والإبداع.

وسائل التواصل الاجتماعي

يقضي المراهقون ساعات طويلة في استخدام -السوشيال ميديا- حيث المثالية المفرطة والعنف المفرط، فبين استخدام العنف اللفظي والتنمر الإلكتروني وبين الدخول في مقارنات مستمرة مع صور الحياة المثالية التي تطل علينا من خلف فلاتر «الإنستجرام ،السنابشات» تنهار الثقة بالنفس ويرتبط تقدير الذات بعدد اللايك والشير.

كيف تبني ثقة طفلك بنفسه؟

الثقة بالنفس يمكن بناؤها ولكن لا يمكن منحها، لا يوجد زر يمكن الضغط عليه فيصبح طفلك واثقًا بنفسه ولكن يمكن مراعاة بعض النقاط لتعزيز ثقته بنفسه:

1- امنحه الاستقلالية

اعتماد الطفل على نفسه ونجاحه في إنجاز بعض المهام بمفرده حتى بعد تكرار المحاولات أو طلب المساعدة يعزز شعوره بالكفاءة والثقة، يمكن مساعدته إذا طلب ذلك دون محاولة تسهيل الأمر أو جعله أصعب ودون تعليمات لمنعه من الوقوع في الخطأ، فقط دعه يحاول ويخطيء ويتعلم.

2- امدح المجهود وليس النتيجة

على عكس المتعارف عليه والمتبع لدى الأغلبية كلمات مثل «براڤو.. شاطر» ليست أفضل خيار، الأطفال الذين يتلقون المدح الشخصي على إنجازاتهم أقل ثقة ويميلون إلى محاولة إرضاء الآخرين، يفضل استخدام عبارات تشجيع وتقدير للمجهود دون تقليل أو مبالغة سواء في حالة تحقيق الطفل للهدف أو عدم قدرته على ذلك رغم محاولته؛ مثلًا «إنت بذلت مجهود كبير في المذاكرة، عجبني اختيارك للألوان في الرسم».

3- التركيز على نقاط القوة

نحاول دائمًا تقويم الطفل بلفت انتباهه للأخطاء وكيفية إصلاحها ونغفل كثيرًا ذكر نقاط القوة لدى الطفل، تذكّر دائمًا أن تذكر لطفلك صفاته الإيجابية وتشجعه عليها قبل أن توبخه على أخطائه.

4- تجنب النقد الهدام

بدلًا من عبارات قاسية تصف الطفل بالكسل مثلًا أو الإهمال، نبهه لخطئه واعطه اختيارات مناسبة لإصلاحه، لا تجعل الطفل كذلك يبالغ في لوم نفسه عند الخطأ يكفي أن يعترف بالخطأ ويعتذر ويحاول إصلاحه، ذكّره بأن الفشل جزء من عملية التعلم والمبالغة في اللوم مؤذية، تمامًا كالتهاون في وضع الحدود.

5- الاهتمام بوقت العائلة

سواء وقت خاص بالطفل وحده مع أحد الوالدين أو كليهما أو وقت يتميز بطقوس عائلية دافئة وبعض الأنشطة المشتركة، إلى جانب أهمية الاحتكاك بأفراد العائلة الممتدة يشعر الطفل بالانتماء والتقدير والأمان أيضًا، كذلك تشجيع الطفل على إقامة الصداقات وتكوين دائرة اجتماعية خاصة به.

6- المساعدة والعطاء

حث الطفل على المساعدة والعطاء سواء داخل أو خارج المنزل مع أفراد أسرته أو أصدقائه أو عن طريق الاشتراك في أنشطة خيرية، يعزز ثقته وتقديره لذاته ويمنحه شعورًا بأهمية الدور الذي يؤديه إلى جانب تحمل المسئولية والإيثار.

هكذا نهدم ثقة أبنائنا بأنفسهم دون أن نشعر

مع المسئوليات الكثيرة وضغوط الأعباء والمهام اليومية ربما تصل أطفالنا رسائل سلبية غير مقصودة أغلبها مجرد مزاح أو فضفضة بريئة عابرة ولكنها قد تترك أثرًا سلبيًا في ثقة الطفل وتقديره لذاته؛ على سبيل المثال: شكوى الأمهات من «شقاوة العيال» باستمرار على مرأى ومسمع من الأطفال، مقارنة الحياة قبل وبعد الأطفال وكيف كانت أسهل، العبوس والرد بنفاد صبر عند سماع نداءاتهم المتكررة، المقارنات المستمرة بين الطفل وأخوته وأطفال العائلة.

كسائر الصفات البشرية تتغير الثقة وتقدير الذات بمرور الزمن والأحداث، فتبلغ عنان السماء عندما يحقق الإنسان نجاحًا كبيرًا أو تسقط في بئر الإحباط عندما يفشل في مهمة بسيطة، ولكن وضع حجر أساس لشخصيه سوية تتمتع بالثقة وتقدير الذات يساعد في بناء حائط دفاع نفسي صحي يحتمي به طفلك من نتائج ضعف الثقة بالنفس، بداية من الخوف من تجربة الجديد إلى الدخول في علاقات سامة مرورًا بالسلبية والضعف ومحاولات إرضاء الآخرين إنتهاء بقائمة طويلة من التبعات المؤلمة.

لكي ينشأ الطفل لديه من الثقة وتقدير الذات ما يؤهله لخوض تحديات الحياة وتحقيق أهدافه، يجب أن يحظى بمرب واثق بنفسه يتمتع بصورة ذاتية إيجابية، يتحمل المسئولية ويقدر إنجازاته ويعترف بأخطائه دون أن يجلد نفسه بسياط الذنب، لا يرضخ لضغط المجتمع محاولًا إرضاءه على حساب سلامه النفسي، متصالح مع ذاته يتقبل عيوبها ومميزاتها بداية من عيوب الشكل وحتى الإخفاقات والطباع السلبية، يحاول الإصلاح لنفسه وليس لإرضاء الآخرين.