Posted on

ليس التعليم الأكاديمي فقط: ما وظيفة المعلم مع الطلاب؟

المعلم طالب

عند الحديث عن المعلم كل منا يتبادر إلى ذهنه فورًا صورة معلم ما قابله في مرحلة من حياته ويتذكره، وفي الغالب ما نتذكره عن معلمينا ونحن أطفال يتعلق بهم كأشخاص وبسماتهم الفردية سواء كانت سمات إيجابية أو سلبية، وليس بدورهم الأكاديمي معنا، قد يكون السر في موقف إنساني حميد، أو في ابتسامة بشوشة كل صباح فأحببنا ما تلقيناه من صاحب السمة اللطيفة من علم وارتبطنا بمادة يدرسها، أو قد يكون في قسوة وخوف شعرنا به كلما رأينا ذلك المعلم أو تلك المعلمة، مما ولد لدينا نفورًا تامًا من تلك المادة التي يدرسونها، وإن كانت تلاقي استحسانًا منا وتوافقًا مع مهارتنا قبل مقابلتنا لهم.

عمق الأثر هذا يعني أن المعلم لا يقتصر دوره في حياة طلابه على تمكنه من مادته العلمية فقط، ولكن المعلم يشغل بالنسبة لتلاميذه حيزًا كبيرًا من الأثر في نفوسهم خاصة في مرحلتي الطفولة والطفولة المبكرة، هذا بجانب دور المعلم الكبير في التعليم الأكاديمي للطلاب الذي يكاد يفوق دور آبائهم في بعض الحالات، مهنة التعليم هي مهنة جليلة تستحق التقدير والاحترام، ولكنها أيضًا مسؤولية عظيمة تستحق بذل الجهد اللازم لأثرها في نفوس الأطفال. فكيف يكون المعلم معلمًا جيدًا؟

المسؤولية الأكاديمية للمعلم

أول ما يبحث عنه الآباء عند اختيار معلم لأطفالهم هو تمكنه من المادة العلمية التي يقدمها، وهذا بالطبع أمر ضروري، ولكنه لا يكفي وحده، قد يتوفر للإنسان قدر متقدم من العلم في مجال ما، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن لديه القدرة لينقل هذا العلم لأشخاص آخرين لا سيما صغار السن، لذلك يحتاج المعلم لمهارات تساعده على التدريس بكفاءة عالية مثل سلاسة ووضوح العرض، واستخدام التكنولوجيا، والإبداع في الخيال والقصص التي تخدم المحتوى العلمي المراد تدريسه، وتبسيط العلوم وربطها بالواقع الحقيقي وببعضها بعضًا، ومهارات التواصل الفعال مع الطلاب والقدرة على التعامل مع الاختلافات الفردية والقدرات المتفاوتة والأنماط الشخصية المتعددة لكل طفل على حدة، وأن يوفر بيئة تعليمية آمنة للأطفال يستطيع فيها المتعلم أن يسأل أي سؤال مهما بدا ساذجًا، ويفتح المجال للنقاش بين الطفل وزملائه، ويكون مثالًا يحتذى به في تعلم كيفية التعليم عن طريق البحث عن إجابات متعددة للأسئلة ونقدها وتحليلها حتى يصل المتعلم لقناعة ومنهجية وليس لإجابة، فالواقع الحقيقي يبرهن على أن لكل سؤال آلاف الأجوبة، وهذا ما يحتاجه الطلاب طوال حياتهم، لكي يتمكن المعلم من هذا فإنه يحتاج لأن يتعلم باستمرار ويتابع الأبحاث العلمية ولا يتوقف عند حالة أو مستوى معين ويكتفي به.

المسؤولية الإنسانية للمعلم

يقضي الأطفال ساعات طوالًا مع معلميهم، وهذا يجعل المعلم دوره يكاد يماثل دور أبوي الطفل معه في المناحي النفسية، وكما هو مهم للطفل أن يتلقى الحب غير المشروط والدعم والاهتمام والعدل من والديه، فهو أيضًا مهم لأن يتلقاهم من معلميه، المعلم الإنسان هو من يحترم طلابه ويحترم احتياجاتهم الإنسانية، هو الشخص الجدير بالثقة الذي يستطيع طلابه اللجوء إليه عند الحاجة، هو الذي لا يسخر من إجابة خاطئة لطالب يتعلم من خلاله، ولكنه بدلًا من ذلك يناقشه فيما قال ويسأله عن رأيه ويوجهه بلطف وعن وعي بقدراته، هو من يفعل القوانين لتنظيم العملية التعليمية وليس للسيطرة على الطلاب، هو من يتحلى بالصبر بالمرونة الكافية للتعامل مع أي طفل من أي خلفية تربوية ويمكنه الابتسام في وجه الطالب العنيد المشاغب كما الطالب المتفوق تمامًا، هو من يمكنه الضحك واستخدامه بذكاء للمرور من المواقف الصعبة مع الطلاب بسلام دون أن يخل بالعلاقة المغلفة بالاحترام بينه وبين طلابه، هو من لديه القدرة على التخلي عن خطته الموضوعة مسبقًا والتي بذل فيها ما بذل من جهد إن لم تناسب طلابه في هذا التوقيت، هو الذي يعي تمامًا بتعقيداته النفسية والتي لا يخلو منها أحد فيراقب سلوكه ويهذبه أكثر مما يراقب زلات طلابه، ولا يسمح لنفسه الأمارة بالتسلط للتنفيس عما بداخله في نفوس بريئة لا ذنب لها، المعلم الإنسان هو من يمكن أن يعتبره الطلاب مثالًا جيدًا يحتذى به في حلمه وفي غضبه على حد سواء.

معلم واحد وطريقتان مختلفتان للتعلّم

المعلم الأول، يجلس مع أطفال في غرفة مغلقة يطلب منهم أن يحسبوا المساحة السطحية الجانبية لشكل متوازي أضلاع، يعطيهم الأبعاد المطلوبة، ويحاول الطلاب بصعوبة تذكر قوانين حساب المساحة السطحية للأشكال، يشعل روح المنافسة بين الأطفال من الذي سيفوز بالجائزة إن استطاع حساب المطلوب أسرع من زملائه، يحاول المعلم بكل جهده أن يزود طلابه بالمعلومات والتدريبات الكافية لاجتياز الاختبار بأعلى الدرجات.

المعلم الثاني، أخذ الأطفال إلى خارج جدران الفصل فصادفتهم شجرة في الساحة، لجذب انتباههم إليها بأنشودة وقصة عن شجرة عجوز تهون على الأوراق قلقها قبل سقوطها في الخريف، وردد في أنشودته وقصته مرارًا وتكرارًا أن الجذع (أسطواني) الشكل، وهو يقص عليهم قصته لمحوا عصفورًا صغيرًا لديه منقار (مخروطي) فارتجل له دورًا في القصة، ثم بعد انتهائه ذهب معهم لإحضار بعض الألوان واللوحات البيضاء لتزيين فصلهم، ولكنهم ليستطيعوا طلب الكمية المناسبة من اللوحات، يجب أولًا أن يعرفوا مساحة اللوحة الواحدة، ويحسبوا المساحة السطحية الجانبية لحوائط الفصل الذي توصلوا بأنفسهم أنه في الحقيقة شكله متوازي الأضلاع، فشكل الأطفال فريقًا لرفع الطلاب المقاسات، وفريقًا آخر لحساب المساحة السطحية، وفريقًا ثالثًا لحساب عدد اللوحات، وفريقًا رابعًا ليأتي بالأدوات بعد نقاش تم بين كل الفرق.

بعد أن سرت معي في الطريقين أي معلم تحب أن تكون على شاكلته؟ هل ستختار أن تحبس الأشكال الهندسية في قوانين صماء يحفظها الطلاب وهي موجودة حولنا في كل مكان لا تحتاج إلا لعين تراها؟

التدريس مهنة معقدة، إنها لا تقتصر على سكب معلومات في عقول مغلقة بعد تكبيل أيديها عنوة، لا يتعلم المرء علمًا حقيقيًا أبدًا عنوة، إنها مهنة تتضمن التوغل في نفوس بشرية والبناء بداخلها، وهذا يكون بالتعلم أولًا، ثم التخطيط للدروس والأنشطة، والإدارة للفصل ولآلية تعامل الطلبة مع البيئة التعليمية من أدوات ومع بعضهم البعض، والملاحظة والمتابعة لكل طالب، ليس فقط فيما يتعلق بالمادة العلمية، ولكن أيضًا متابعة لسلوكه وحالته الذهنية والنفسية والبدنية، ثم يكون للمعلم دور في التيسير والتوجيه للمتعلمين ومساعدتهم في توفير احتياجاتهم التعليمية، وإيجاد وسيلة عادلة ومنصفة لتقييمهم بعد ذلك تقييمًا يضيء لهم نورًا يدفعهم للأمام لا يحبطهم ويكسر نفوسهم، من يستحق أن يطلق عليه لقب المعلم هو من يستطيع أن يدرس ويعلم أي طفل بل ويتعلم منه أيضًا، ويكون الصمام للعملية التعليمية فيسمح بمرور ما يفيد الطالب ويوقف عنده ما يمكن أن يضره ، ولكنه يعلم أنه ليس محور العملية التعليمية فهذا هو مكان المتعلم نفسه.

Posted on

تقديمات المدارس: ما يفعله الإنترفيو في طفلك

مدارس

أصبح الـ«إنترفيو» تأشيرة الدخول عبر بوابات المدارس الخاصة والدولية والمدارس الرسمية للغات التي تسمى (ناشونال) و (إنترناشونال).. فقبل أن تنتشر موضة الإنترفيو كان أولياء الأمور هم من يختارون المدارس وفقًا لمعاييرهم، لتنقلب الآية في هذا العصر رأسًا على عقب لتصبح الأولياء والأطفال هم من يخضعون لفحص وفلترة من قِبل المدرسة لكي تحدد ما إن أوفوا شروطها أم لا؟! فنبدأ رحلة العذاب لحصول الطفل علي القبول وتبدأ رحلة الشقاء لأولياء الأمور لكي يبحثوا عن «واسطة» كي يقبلوا طفلهم في كي جي 1 أو حتى «بيبي كلاس»!


أسئلة تعجيزية

هل سافرت بره مصر؟ بتقضوا الويك إند فين؟ بتصيفوا فين؟ عندكم كام عربية؟ مشتركين في كام نادي؟

هذه الأسئلة بمصطلحاتها تطرح على أولياء الأمور في الإنترفيو، مما يظهر مأساة العنصرية والطبقية، والتي تفوق الدهشة والتعجب، فماذا يؤثر كل هذا في العملية التعليمية للطفل، هل سيدخل المدرسة أم يقدم على وظيفة؟ أم أنه يتقدم لطلب عروس مثلًا؟ نتفهم جيدًا السؤال عن المؤهل الدراسي أو مكان السكن أو كيفية عقاب الطفل عند الخطأ، فكل هذا يؤثر على الطفل دراسيًا ونفسيًا وبالتالي سلوكيًا، لكن هذه النوعية من الأسئلة التي أشيع حدوثها، كأن يتم رفض أم بسبب كونها single mother (مطلقة)، مدعين أن الطفل سيكون سلوكه غير سوي ومتأثر نفسيًا، فكيف قاموا بالحكم والجلد دون التحدث مع الطفل نفسه؟! حيث أصبحت مقابلات المدارس تهدف في أغلب المدارس إلى تحديد المستوى الاجتماعي للأسرة وليس مستوى الطفل.


خطف الطفل للإنترفيو!

ننتقل من تعجيز الأولياء لإخفاق الأبناء، فاقتياد الطفل من بين والديه ليذهب مع شخص غريب يراه للمرة الأولى، وارد ألا يتقبله الطفل نفسيًا بلا سبب – وهذا حق له – مما يتوقع معه أن يؤثر على نفسيته، ثم أضف وضعه في مكان غريب يراه للمرة الأولى، والأسئلة التي تنهال على طفل الثالثة من هذا الغريب في ذلك المكان الغريب، لا يمكن اعتبار ذلك أمرًا عاديًا مقبولًا، فما الذي يريده الإنترفيو من الطفل؟

الألوان والأشكال وأعضاء جسمه وجميع الأحرف والأرقام العربية والإنجليزية، بل وأيضًا يكتب اسمه بمفرده، كنا نظن من الطبيعي أن يدخل الطفل المدرسة ليتعلم وليس أن تطلب منه المدرسة أن يأتي لها متعلمًا بشكل سابق!

ليست المعارف والمعلومات هي غرض الإنترفيو فقط، فربما يتم رفض طفلك لأنه رفض التحدث لهذا الغريب، أو لأنه لم يشأ الجلوس أمامه في هذا المكان الغريب فحاول الحركة، أو لأنه بكى خوفًا من كل ما يحدث حوله

ربما ينتظر الإنترفيو من طفل الثلاثة سنوات أن يجلس متزنًا متملكًا رباطة جأشه ويجلس معتدلًا على الكرسي وينصت جيدًا لحديث شخص ما ويتبادله أطراف الحديث مع ارتشاف قهوته التي على الطاولة!


تعرف إيه عن المنطق؟

تتجاوز الاختبارات لقبول الطفل الذي تم فطامه منذ شهور عدة، كونها اختبارات موجهه لأطفال طبيعيين إلى موجهة لأطفال ذي قدرات خارقة وخارجة عن المألوف مع عدم وضع اعتبار لظروف كل طفل على حدة، وبعد كل هذا العناء يتم رفض الطفل مما يشعر الأهل بالإحباط والفشل وتأنيب الضمير عندما لا يتجاوز طفلهم 98% من كل هذا الهراء ويصبح موصوم بالفشل والسقوط وهو لم يفهم شيء بعد، مما يتسرب إلى الطفل بلوم من حوله له، وكذلك عدم رغبته في التعلم أو الالتحاق بأي مؤسسه تعليمية ما دام هو منبوذًا من البداية.

ليخرج الوالدان من هذه التجربة السيئة بمفهوم واحد: هما ليسا جيدين في تعليم طفلهما، وتبدأ رحلتهما في مسارين أسوأ من بعضهما، جلد الذات، والضغط الكبير على الطفل لتعويض ما رأته المدرسة سببًا لرفض التحاقه بها.

فلماذا بدلًا من ذلك لا يتساءل الأبوان ما هو دور المدرسة في حياة طفلهما؟ لماذا لا تحدد كل مدرسة شروطها التي ترغبها في طلابها وذويهم منذ البداية وإن كانت هذه الشروط متوفرة يتم التقديم دون أن تخضع الأسرة لكل هذا الكم من الضغط العصبي والنفسي حتى لا يسقطوا فريسة للشعور بالفشل والإحباط؟


اعرف حقك وتمسك به

قبل خضوع أولياء الأمور لكل هذه التجربة يجب أن ينتبهوا لحقوقهم منذ بداية ملء استمارة التقدم:

  1. من غير القانوني عدم حصولك على مصروفات ملء هذه الاستمارة لو تم رفضك بعد ذلك.
  2. إن تم قبولك يصبح هذا المبلغ جزءًا من مصروفات المدرسة كما ذكرت وزارة التربية والتعليم، ضرورة الحصول على الوصل كي يثبت دفع ولي الأمر المبلغ للمدرسة حتى يتسنى لها محاسبة المدرسة وإرجاع المبلغ المدفوع
  3. من حقك معرفة كيفية تدريب المعلمين في هذه المدرسة؟
  4. كيف يتم التعامل مع الطلاب عند الخطأ؟
  5. كيف يعدّون طفلك لما يتناسب مع المهارات اللازم اكتسابها وفقًا لعمره؟

فلا تتهاون في مكان سيقضي طفلك به معظم وقته وسيتعلم به الكثير ولا تتهاون في حق نفسك ولا حق طفلك ولا تتأثر بالإخفاق أبدًا فأجل المكسب دائمًا لطفلك واسعَ خلفه.


في أوروبا والدول المتقدمة …

التقديمات للمدارس في أوروبا وشرق آسيا تبدأ من سن 7 أعوام حتى يستطيع الطفل الجلوس في فصل دراسي مجهز بكل ما يدعوه للتركيز في مدرسة حكومية – دون مصروفات- ويتم التقديم لها حسب منطقة الطفل السكنية ولا يشترط أي شيء آخر فقط الالتزام ، وقبل هذه السن يذهب الطفل للحضانات (الحكومية أيضًا) ليتعلم كل شيء عن طريق اللعب دون التعلم الأكاديمي المعروف، ولذلك مع نهاية السنة الأولى للطفل في المدرسة عند سن 8 أعوام يتمكن من الكتابة والقراءة بشكل جيد لما اكتسبه من خبرة وتمرس خلال أعوام لعبه في المرحلة السابقة.

فمثلاً عند تسليط الضوء على تجربة دولة صغيرة في شمال أوروبا «فنلندا» فهي تجري لطلابها اختبارات دولية تحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كل ثلاث سنوات للتأكد من أداء الطلاب في العلوم والقراءة والرياضيات، ومن الجدير بالذكر هو صعوبة جعل أحدهم معلماً، فمن بين كل 10 متقدمين يتم قبول شخص واحد فقط ولا يمكن أن يحمل المعلم هناك درجة علمية أقل من الماجستير لذلك هناك حجم كبير من الثقة والاحترام يحظى بها «المعلم»، وهذا لم يحدث فجأة بل في عام 1979 اتخذت الحكومة الفنلندية قرارًا حاسمًا بمطالبة المعلمين بالحصول على درجة الماجستير من واحدة من ثماني جامعات حكومية على نفقة الدولة، مما أدى إلى صعودها على القمة والنهوض بالدولة فهي لم تولد على القمة. فهناك يعملون على خلق بيئة تعليمية جيدة تدعم الابتكار وتجنب خلق بيئة تنافسية بين الطلاب فلا يتم ترتيب المدارس ضد بعضها، ولا يتم التقليل من قدر وقيمة المعلم ولا يقع الطلاب تحت ضغط مكثف من أجل الالتحاق بالكلية التي يريدها، فأين نحن من كل هذا؟