من أكثر التحديات التى تواجه المربين مع صغارهم هي كيفية تكوين أطفال مندمجين بشكل متوازن مع مجتمعهم، بما نسميه التنشئة الاجتماعية، يبدأ الطفل عامه الثالث وسط توقعات متباينة من والديه حول طبيعة صغيرهم الاجتماعية والتي تكون غالباً توقعات ذات سقف عال تعتمد على المقارنة بين الأطفال لا على التركيز على طبيعة ونمط الصغير، مع محاولات عديدة للبحث عن أفضل الطرق التي تساعد على تنمية عملية انخراطه الاجتماعية بنجاح، بين الحضانة، المدرسة، النوادي، الألعاب الرياضية والانضمام لمختلف الأنشطة التي يظن المربي أن بها تكتمل أركان عملية الغرس الاجتماعي دون النظر إلى أهم ركن في هذه العملية المستمرة، ألا وهو البيت.

ماذا نعني بالتنشئة الاجتماعية؟

فالبيت والأسرة هما الحاضن الأول والأهم والأكثر فاعلية في تنشئة طفل قادر على تكوين علاقات متوازنة مع البيئة المحيطة له بقدر من التوازن والاستقرار يسمحان له بالتكيف والعطاء الاجتماعي وأن يُكوِّن علاقة صحية مع نفسه ومجتمعه، فبالرجوع للتعريف الخاص بالتنشئة الاجتماعية الذي وضعه Hartley and Hartley بأنها «تعلم كيفية أن تكون عضوًا في جماعة أو مجموعة»، وحسب  قسم الأنثروبولوجي بجامعة نبراسكا لينكولن Nebraska Lincoln فوضع تعريف أكثر دقة أمر صعب، حيث إن لكل مجتمع تعريفه الخاص لعملية التنشئة الأجتماعية وأفكاره المختلفة عن الأطفال أنفسهم كما أن القدرات التواصلية للأطفال متباينة فيما بينهم، تعرف أيضًا بأنها عملية تستمر باستمرار وجود  الكائن الحي والتي من خلالها يطور بها الفرد دوافعه ومشاعره التي تخضع لرقابة مجتمعه والتي يتوقعها ويكافئها مجتمعه عليها، وعليه يكون علينا أن نسلح صغارنا بالمهارات اللازمة لتفعيل عملية التواصل الاجتماعي لبناء مفاهيم سليمة لدى الطفل تجاه مجتمعه.

وبالرغم من أن جمهور الآباء يعتمدون اعتمادًا كليًا على المدرسة في عملية التنشئة الاجتماعية فإن كثيرًا من الدراسات النفسية تؤكد أن المدرسة قد تحرم الطفل من أبسط قواعد التواصل الإنساني اللازمة لخلق علاقات صحية حقيقية، وذلك حيث إن اختلاط الأطفال في سن ما قبل المدرسة تحديدًا داخل مجتمعات مثل الحضانات وغيرها تعزز من مفاهيم ومعتقدات بتفاعل الأطفال مع بعضهم قد تكون بشكل خاطئ لا يتناسب وقيم الأسرة على سبيل المثال، لذا يتحمل الآباء داخل البيت نصيبًا كبيرًا جدًا ربما يكون الأكبر على الإطلاق في عملية التنشئة الإجتماعية الخاصة بأطفالهم.

منزل العائلة المسمومة

تأمل معي جيدًا وضع هذه الأسرة الذي تعرض لها الدكتور أسامة فوزي في كتابه سلوك الوالدين وتأثيره على اضطراب شخصية الطفل: أب وأم غير راضيين عن أنفسهما، يعيشان مع أطفالهما في جو يسوده عدم الحب، ليس هناك قدرة تذكر على العطاء العاطفي يغلب عليها سمات التحكم و السيطرة أكثر من التفاهم، عدم مراعاة واضحة للمشاعر وبخاصة الأطفال، لا وجود للغة حوار ولا احترام بين أفراد هذه الأسرة لعدم تحمل كل منهم مسؤولياته تجاه نفسه وتجاه الآخرين، يتعامل أفراد هذه الأسرة غالباً بقدر كبير ودائم من التشنج والعصبية والتسرع والصراخ، لا يواجهون مشكلاتهم بشكل ناضج واع، يلجئون عادة لإلحاق الاتهامات بتحمل المسئولية بالطرف الآخر، لوم دائم متبادل على أقل التصرفات، تخيل معي وضع أطفال هذه الأسرة غير المتزنة، وما حالهم مع أنفسهم  ومع بيئتهم المحيطة؟

على أقل تقدير سينشأ طفل هذه الأسرة: غير راض عن نفسه وعن مجمل تصرفاته، غير واثق وغير مطمئن، وعليه لن يكون قادراً على إعطاء وتبادل الشعور بالرضا والثقة والأمان والحب مع أي شخص آخر مما يؤثر بشكل واضح في مهاراته التواصلية، كما يتسرب للطفل بشكل غير واع بأنه غير مستحق ولا قيمة له لأنه نشأ في مناخ يملؤه السيطرة، فالطفل الذي لا يشعر بأهميته وقيمته يفقد حبه لذاته وبالتالي لن يكون قادراً على إعطاء الحب للآخرين.

هروب الوالدين من المسئولية والحياة

فهناك حالة من الهروب من الحياة والمسئولية من الأم والأب تكون نتيجتها الانغماس في العمل أو قضاء فترات طويلة خارج المنزل فربما لا يجد أطفالهم ملجأ إلا الانطواء وعدم التواصل والانكفاء على الذات لعدم قدرتهم على التكيف مع الآخرين، كما يمكن أن تؤدي هذه الحالة إلى ما يطلق عليه الإدمان السلوكي الذي يلجأ معه الطفل للاكتفاء إما بالأكل الزائد، الإنترنت والألعاب الإلكترونية وغيرها من السلوكيات غير المرغوب فيها التي تعمل بدورها على عزل الطفل عن بيئته ومحيطه وتجعله غير متواصل.

اللوم والعتاب والشعور بالذنب

كما أن الأسرة التي تعتاد توجيه اللوم والعتاب وإشعار طفلهم بالذنب سيتولد لديه شعور بانعدام الثقة والكفاءة كما يدفعه للخوف من تكوين علاقات مع الآخرين حتى لا يكون عرضة للتقييم والانتقاد مرة أخرى فيلجأ كثيرا هذا الطفل لإساءة التصرف والانعزال وربما للعنف.

فحسب عالم النفس النمائي هاري ستاك سوليفان Harry Stack Sullivan أن تكوين الشخصية الإنسانية ينشأ نتيجة التفاعلات المبكرة مع الأشخاص المهمين في حياة الإنسان أي الأسرة، فإن الشخصية الأكثر استقرارًا واتزانًا من وجهة نظر هذه المدرسة هي تلك التي تنفتح وتقبل مساهمات الآخرين دون خوف معوق من الابتلاع وضياع الهوية للطفل.

تكوين بيئة إيجابية للطفل

في كتابه صحة العلاقات تحدى الشفاء والنضوج فى مجتمع حقيقي يتناول الدكتور أوسم وصفي علاقة الطفل بأسرته كحاضنة أولى لعلاقاته الاجتماعية حيث يقول:«للإنسان وعي ذي قدرة كبيرة على اختزان العلاقات السابقة بحيث تؤثر في شخصيته حتى بعد انتهاء العلاقة أو وفاة الأشخاص، فالإنسان يختزن علاقته بالأسرة التي نشأ فيها وتؤثر فيه حتى بعد أن يتركها ويكون أسرة جديدة، وتبقى هذه العلاقات الماضية داخله مصدر عزاء أو شقاء، مصدر عذوبة أو عذاب، وذلك يؤثر في حياة الإنسان ويجعل منه إنساناً حقيقياً جديراً بأن يكون أقرب المخلوقات لله».

فالأب والأم هما المصدران الرئيسيان للدعم والتوجيه وخاصة في سنوات الطفل الأولى، وهما منبع المهارات الاجتماعية الأساسية التي يمكن أن ينهل منها الطفل، وذلك بطريقين أحدهما تعلم مباشر وواضح، وآخر غير مباشر متمثل في السلوكيات والتفاعلات اليومية العفوية، وذلك بأن يخلق الوالدان لصغارهما في البيت بيئة آمنة إيجابية محفزة داعمة على التواصل بتعزيز مجموعة من المهارات الحياتية اللازمة لدعم عملية التنشئة الاجتماعية للطفل، فهناك مقولة شهيرة تقول، إن طفل اليوم هو والد لرجل الغد تؤكد أن اتزان الفرد البالغ ترجع لتلقيه تدريبًا مناسبًا من خلال والديه على ما يلزمه من مهارات للقيام بأدواره الاجتماعية المختلفة التي يقوم فيها الطفل بدرجة من درجات التنظيم الذاتي احترامًا للأعراف الثقافية السائدة في مجتمعه لكي يستطيع التكيف معها.

علينا أولاً أن نؤكد على أن دور الأسرة متغير تبعاً لتغير نوع الأسرة فهناك

  1. أسر صغيرة Nuclear family: مكونة من أب وأم وأبناء.
  2. أسرة كبيرة ممتدة Extended family غالبًا تعيش فيها أسرتان من جيلين مختلفين يعيشان معًا: أسرة صغيرة مع الأجداد والأعمام.
  3. أطفال تعيش مع أب أو أم بمفردهم Single Parents

كل طفل لإحدى أسر الأنماط الثلاثة السابقة له طريقة مختلفة في التعامل من قبل الوالدين وأؤكد الوالدين وليس أي فرد آخر لأنهم بمفردهم من لديهم الحق في عملية التوجيه المفاهيمي والسلوكي للطفل، ربما يكون من الأيسر على آباء الأسر الصغيرة التحكم في ذلك بعكس الأسر الممتدة فالتحدي بالنسبة لهم أكبر. ولتكوين هذه البيئة الإيجابية عليك عزيزي المربي أن تسود هذه القيم والمفاهيم داخل بيتك بشكل أساسي

1. القبول غير المشروط

في حالة أن يقوم ابنك بسلوك خطأ، فضلاً قم برفض السلوك، ولا ترفض ابنك، بل قم بالتأكيد على حبك له طوال الوقت ومهما حدث منه، إن رفضته على سلوكه السيئ ربما تخسره هو نفسه للأبد وتعزز لديه إحساسًا بعدم الاستحقاق والرفض وعدم الأمان ولن تكون في هذا الوقت قد قومت من سلوكه الخطأ، بل إن قبولك لطفلك غير المشروط يدعم من تكيفه مع محيطه الصغير والكبير، فبقبولك وحبك لطفلك كما هو لن تضطره لفعل أمر ما لكي يكون مقبولاً في محيطه فقط يفعل ما يريد وما عليه فعله، وعليه تكون عملية التقويم السلوكي في مقابل العقاب الذاتي.

2. الدور الاجتماعي داخل الأسرة

يحدد الدور الاجتماعي نمط التفاعل بين أفراد الأسرة وعليه يتحدد نمط التفاعل مع البيئة المحيطة، لكل دور من أدوار الأسرة جانب إيجابي وجانب سلبي، مفتاح الفاعلية لهذه الأدوار يكمن في الفهم الحقيقي لطبيعة كل دور، والتوازن هنا بين البطل، المنقذ، وسيط السلام، كبش الفداء، المركزي، صانع القرار، المضحك، المشجع، المربي، المفكروالمصارح عادة ما يكون هو المطلوب لكي لا يطغى دور على طفلك عن الآخر وهو يعني خللاً واضحاً في نمط الشخصية.

3. الوفاء بالوعود (الثقة)

إذا وعدت طفلك بشيء كن واثقًا من وفائك لوعدك معه أولًا،وإن لم تكن فقل له إنك ستفكر بالأمر، حتى تبني جسورًا من الثقة بينك وبينه وحتى يشعر بقدر من الأمان في التعامل مع البيئة المحيطة به والذي بدوره يرسخ من مفهوم الاحترام والتفاهم المتبادل.

4. التعبير عن المشاعر

اسمح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، بأن تعبر له أنت أيضًا عن مشاعرك تجاهه وتجاه بعض سلوكياته إن كانت جيدة شجعه وادعم من سلوكه الإيجابي، وإن كانت سلبية قومه دون توجيه لوم لشخصه، ويندرج تحته مفهوم التشجيع والدعم الإيجابي.

5. قيم أسرية واضحة

بأن يكون هناك أمور بعينها مرفوضة وأمور أخرى مرحب بها ضمن توافق أسري واضح ولدعم هذه القيم علينا أن نرسي قواعد للحوار والتفاهم لكي تصل هذه القيم لكل أفراد الأسرة بشكل واضح وسليم، مما يجعل هناك قدرًا من التوقع لتصرفات أطفالنا تجاه مختلف المواقف وذلك بتعزيز مهارات الإنصات ودعم مهارات الحوار.

6. تكوين روابط قوية مع الأبناء (وقت الجودة Quality Time)

يعتقد محمد، وهو أب لطفلين، أن قضاء وقت خاص مع أطفاله يوميًا أمرحيوي ومهم لتنمية الروابط الأسرية القوية، فمن خلال هذا الوقت الخاص، يتحدث الأطفال عن يومهم كيف سار، يمكن لوالدهم أن يشاركهم في بعض الألعاب الحركية، مثل الذهاب في نزهة للطبيعة أو الاستمتاع بألعاب بسيطة، بعدها يقوم محمد بمعانقة أطفاله ويخبرهم مدى أهمية وجودهم في حياته وأنه يحبهم، نجد في المقابل أن أطفال محمد يشعرون بالقبول في هذه البيئة الدافئة فكثيرًا من أصدقائهم يلاحظون أن هؤلاء الأطفال يظهرون قدرًا كبيرًا من المسئولية وضبط النفس والتحكم، فالذي تفعله هو الذي يحدث فارقًا حقيقيًا.

بينما ننظر لأميرة وهي أم لطفلين أيضًا، في نهاية يوم عمل طويل، بدلًا من إعطاء أبنائها دقائق قليلة من وقت مميز خاص Quality Time عند عودتها للمنزل، تبدأ على الفور في القيام بالأعمال المنزلية، تقول ابنتها: «في كل مرة أريد التحدث إلى أمي، تكون مشغولة للغاية،أو متعبة للغاية أو تقول: انتظري فلنتحدث في وقت لاحق، والذي يبدو أنه لن يأتي أبداً». الآباء الذين يستخدمون الرفض في تعاملهم مع أطفالهم، قد يكون لديهم أطفال ذو سلوك عدائي تجاه الآخرين.

إن صغارنا يتعلمون مهارات الحياة من رؤية والديهما لممارستهما لها، ومن رؤيتهم كيف يعيشون تلك الحياة ويتبادلون فيها الأدوار، فهما من يقدمان صورة مصغرة عن مجتمعهما للصغار فمن خلالها يبنون تصوراتهم وتوقعاتهم ومن ثم ردود أفعالهم، فالطفل في سنواته الست الأولى يتعلم من خلال محاكاة الكبار وتقليد طريقتهم في الحياة، لذا عليك عزيزي المربي قبل أن تبني ابنك اجتماعيًا أن تراقب تصرفاتك وأفكارك تجاه نفسك والآخرين كي تكون قدوة حسنة يحتذى بها تستحق أن تكون معلم ابنك الأول اجتماعيًا، يقول د. أوسم وصفي في كتابه صحة العلاقات: «الأسرة التي نشأنا فيها بمثابة المدرسة التي تعلمنا فيها العلاقات، ليس فقط لأنها التي تغرس فينا صفات وقدرات ووظائف نفسية من شأنها أن تؤثر كثيراً في الطريقة التي بها نتفاعل ونتواصل مع البشر ومع أنفسنا ومع الحياة عموماً».

أوسم وصفي في كتابه صحة العلاقات: «الأسرة التي نشأنا فيها بمثابة المدرسة التي تعلمنا فيها العلاقات، ليس فقط لأنها التي تغرس فينا صفات وقدرات ووظائف نفسية من شأنها أن تؤثر كثيراً في الطريقة التي بها نتفاعل ونتواصل مع البشر ومع أنفسنا ومع الحياة عموماً».