Posted on

التربية الكلاسيكية في مواجهة التربية الحديثة

التربية الحديثة, أطفال, تربية الأطفال

أجيال متلاحقة في لحظات ما رددوا «لن أكرر مع أطفالي الأسلوب الذي اتبعه والدي معي في الصغر»، ولكن هذا نادرًا ما يحدث فعندما يجد الأبناء أنفسهم قد شبوا وأصبحوا في محل الآباء المسؤولين عن ذرية بأنفسهم وعند أول منعطف تربوي حاد مع أطفالهم، فإنهم يخرجون الأسلحة التي اعتادوا عليها ولم يعرفوا يومًا غيرها، فتتكرر القصة بامتياز بل تكاد تتطابق في بعض المواقف التي مر بها الأب في طفولته كابن يومًا ما.

في زمن تستطيع بلمسات على شاشة أن تعلم عما بداخل آلاف البيوت، في زمن تتغير أحداثه واهتمامات أبنائه كل يوم بأسرع مما يستطيع عقل بشري أن يواكبه، هل من الممكن استرجاع إرث آبائنا التربوي معنا وإعادة استخدامه مع أطفالنا مرة أخرى؟ هل فلسفات التربية الحديثة فيها ما يستحق عناء التعلم عنها؟ أم يكفي ما عرفناه وخبرناه بأنفسنا كأطفال من أساليب للتربية؟

اقرأ أيضًا: أنماط التربية: أي نوع من المربين أنت

بعض فلسفات التربية الحديثة

1. التربية الإيجابية positive discipline

هذا التوجه التربوي مبني على أحد أحدث فروع علم النفس وهو علم النفس الإيجابي، وهو في الأساس دراسة نفسية حول جوهر السعادة البشرية ومدى تحققها وفاعليتها، هذا العلم أكثر اهتمامًا بالتطلع إلى المستقبل بدلًا من الأسف على الماضي، ويركز على الأهداف والقدرات بدلًا من التركيز على الصدمة والألم، يمكننا القول إنه يركز على بناء ونمو الإنسان أكثر من تركيزه على رتق وإصلاح ما مضى من حياته.

التربية الإيجابية ليست علمًا في ذاتها ولكنها فلسفة تربوية مبنية على علم النفس الإيجابي، وتتمحور حول الدعم الذي يقدم للأطفال ويغذي احترامهم الذاتي لأنفسهم وقدراتهم وإعدادهم للوصول لأفضل نسخة من أنفسهم، ولكي يحدث هذا فالمربي يقلل من طموحاته الشخصية بوعي ثم يقدم الدعم والمساعدة للطفل ليعثر هو بنفسه على إمكاناته وقدراته، ويوجه المربي الطفل ولكنه لا يعلمه، فيستبدل الوعظ والمحاضرات التربوية بالقواعد المرنة وأدوات مساعدة مثل العصف الذهني، وإقرار المشاعر، والروتين اليومي.

2. التربية بالارتباط attachment parenting

هذا التوجه التربوي صاغه أستاذ في طب الأطفال وهو الدكتور ويليام سيرز   William Searsوهو يستند على دراسات عن سلوك الانفصال المبكر للطفل التي أقامها الطبيب النفسي جون بولبي John Bowlby في القرن الماضي، التربية بالارتباط هي تعزيز الرابطة النفسية والعاطفية بين الطفل ومقدمي الرعاية له، وتنص على أنه إذا تمت الاستجابة بشكل سريع وواف لاحتياجات الطفل الجسدية والعاطفية فمن المرجح أن يبني الطفل موقفًا إيجابيًا للحياة ويؤمن أنه مقبول ومحبوب، وأن العالم مكان جيد ويمكن الوثوق بالناس، هذا الأمان العاطفي والوجودي هو حجر الأساس في نمو الطفل السليم، تلك الفلسفة تعارض بشدة النظرة التقليدية لتلبية احتياجات الأطفال بأنها تنتج طفلًا مدللًا ومتعاليًا، ولكنها تقول إن العكس هو الصحيح، فكلما لبيت الاحتياجات بشكل أسرع وأكثر اتساقًا مع رغبة الطفل أعددته لاستقلال صحي أفضل. قد يحدث هذا عن طريق بعض التوصيات مثل تشارك سرير النوم مع الأطفال أو الاحتضان والتعبير عن المشاعر باستمرار، ولكنه في النهاية اتجاه تربوي لا يتبع قواعد محددة أو أدوات خاصة ولكنه أشبه بأسلوب حياة.

3. التربية المتأنية  Slow Parenting

مصطلح التربية المتأنية تم إنشاؤه بناء على إلهام حدث من كتاب كارل أونوري Carl Honorè (تحت الضغط: إنقاذ أطفالنا من ثقافة فرط التربية)، التأني المقصود هنا لا يعني القيام بكل شيء بوتيرة بطيئة بل القيام بكل شيء بالوتيرة المناسبة له، والتركيز على جودة الرعاية المقدمة لا على مقدارها، وأن يكون المربي متواجدًا في الوقت المطلوب، يعارض أونوري الاتجاه المعاصر للاندفاع المستمر حتى نتقدم باستمرار نحو خطوات للأمام، فهذا مرهق للغاية ويبقينا باستمرار في معركة مع الزمن مما يؤثر سلبًا على الأطفال ويعوق رغبتهم الفطرية في استكشاف العالم بأنفسهم وبوتيرتهم المتأنية، هذا التوجه التربوي يعنى بالحياة كرحلة ممتلئة بالعلاقات الطيبة والحب بدلًا من التركيز عليها كنتائج أو منافسات.
الهدف من التربية المتأنية هو إيجاد مساحة للأطفال للاعتناء بمصالحهم الخاصة، وبالتالي النمو كما ينبغي لهم دون ضغوط، هذا يحدث عن طريق عدة استراتيجيات مثل التأكد دائمًا من أريحية الجداول الزمنية للعائلة، وقابلية التراجع للخلف خطوة للسماح للأطفال بأخذ بعض المخاطر وحدهم تدريجيًا، واستخدام الموارد الطبيعية والأدوات البسيطة بدلًا من الشاشات والألعاب المتطورة في التعلم واللعب، مع تقليل الأنشطة المنظمة لأقل حد ممكن فكلما كانت الأدوات أبسط زاد استخدام الطفل لعقليته الإبداعية.

القديم في مواجهة الجديد: لصالح الطفل أم ضده؟

إن كان هناك عامل مشترك يجمع ما بين الفلسفات التربوية الحديثة فهو احترام إنسانية الطفل وحقه في تلقي القبول والحب إحساسًا وتصريحًا دون شروط، وإعطائه الحرية اللازمة لنموه الفطري مع تحمل مسؤوليته الشخصية وفقًا لمرحلته العمرية لتطوره ولصقل مهاراته، وذلك من خلال التركيز على قوة العلاقة بين الطفل والقائم على رعايته بما فيها من حب واقتداء واحترام مما يبني دافعًا ذاتيًا لدى الطفل لأن يهذب ذاته باستمرار حتى وإن ذهبت الرقابة عنه لبعض الوقت، والعنوان المناسب لتلك التوجهات التربوية هو (الغرس)، فالمربي يغرس ويزرع البذرة ثم يرعاها وهو يعلم أن النتائج بيد من خلق الأنفس.

أما المدارس القديمة في التربية فهي تركز على السلوك السيئ، وتحاول تعليم الطفل الصواب والخطأ من خلال سوء تصرفه، والوسائل المتبعة لإتمام عملية التعليم تتضمن الوصم والسب والتهديد والتعدي اللفظي والبدني، والتعامل مع السلوك السيئ بسلوك سيئ من المربي أيضًا، وكل هذا مغلف تحت ستار «التربية» ولكن تلك الأدوات كلها قائمة على الخوف إما من المربي أو من العقوبة مما يؤدي لاختلال المنظومة الأخلاقية الذاتية لدى الطفل، فبدلًا من أن يبذل الجهد من قبل الطفل لتطوير النفس فإنه يبذل من أجل تلقي الرضا أو الهرب من العقوبة، ويمكن وضع عنوان للتوجه التربوي للمدارس القديمة وهو (الحصاد) فالمربي دائمًا يتعجل الحصاد حتى وإن لم يقدم الرعاية المطلوبة للإنبات فهو يستمر في زجر النبتة لتخرج له ثمارها وفي النهاية لا ينال شيئًا.

ولكن هل يعني هذا أن الفلسفات التربوية الحديثة لا غبار عليها وأنها تصلح لكل زمان ومكان أم إنها أساليب وافدة لا يمكن تطبيقها في مجتمعاتنا العربية؟ هذا أحد أشهر الخلافات الحادثة بين جيل الآباء لأطفال صغار الحالي وجيل الجدود، فالعديد ممن تربى أو ربى أبناءه وفقًا للمدرسة القديمة في التربية لا يعتدون بفلسفات التربية الحديثة، وذلك لتمسكهم بخليفتهم وتراثهم فيرددون «ما إحنا اتربينا كدة وطلعنا زي الفل» ولكن هل من يردد هذا على يقين بأنه «زي الفل» حقًا؟ ألا يتذكر آلامه البدنية والنفسية وهو يتلقى تلك المعاملة؟ ألا يعيش تحديات نفسية واضطرابات عنيفة جراء السعي للكمال وعدم تقبل ذاته حتى شاب؟ ألا يلتفت لأنه يكرر نفس دائرة الألم مرة أخرى مع أبنائه؟!

الفلسفات التربوية الحديثة تعنى ببناء الفرد النفسي ولكنها نبعت في بيئة مختلفة وثقافة مغايرة تمامًا للمجتمعات العربية فلا يمكن بأي حال أخذها دون مراجعة وتدقيق، لا شك أنه قد يفيد الانتفاع بما فيها من علم ولكن أيضًا لا يجوز نسيان أو تجاهل الهوية المجتمعية أو الدينية أولًا، فالحل يكمن في التعلم أولًا ثم بناء التوازن المطلوب لتطبيقها على أبنائنا.