Posted on

مرض الأطفال المزمن: كيف تتعامل وما سبلك للدعم؟

طب الأطفال, مرض, الأمراض المزمنة, علاج الأطفال

المرض المزمن ضيف ثقيل قد يرافق المريض طوال العمر، ولا يسعه إلا محاولة التأقلم مع الألم والأدوية وزيارات الطبيب ورائحة المستشفيات ووخز الإبر، أن يستيقظ كل صباح محاولًا الإمساك بزمام الأمور واستعادة التحكم في أبسط تفاصيل حياته التي تسير وفقًا لظروف مرضه الخارجة عن السيطرة فيشعر بالإحباط والغضب والعجز وأحيانًا العزلة والوحدة، وربما يصاب بالاكتئاب.

يمثّل تشخيص الطفل بمرض مزمن نقطة تحول في حياته وحياة أسرته إلى الأبد، قد يدخل الوالدان في حالة من الصدمة والحزن وحتى الإنكار والغضب، وربما يصاب بعضهم باكتئاب ما بعد الصدمة، إلى جانب الأعباء المادية والصحية والتربوية التي يضيفها المرض لتزداد حياتهم اليومية صعوبة.

ما الأمراض المزمنة؟

توجد عدة تعريفات للمرض المزمن، ولكن بشكل عام هو المرض الذي تمتد مدة علاجه عدة أشهر ويؤثر على مزاولة الطفل للأنشطة اليومية ويتطلب رعاية صحية خاصة، وربما مكثفة قد تتضمن الإقامة في المستشفى أو البقاء في المنزل لفترات طويلة، كأمراض القلب والحساسية والربو والاكتئاب والأمراض المناعية وأمراض الدم والسكر والأورام السرطانية وغيرها، إلا أن معظمها يتشابه من حيث التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الطفل والعائلة، في رحلته مع المرض المزمن يمر الطفل بفترات انتكاس ثم تحسن بشكل متكرر، ولكنه يظل قيد العلاج في كل الحالات.

كيف يتعامل الطفل مع المرض المزمن؟

تختلف التحديات التي يواجهها الطفل حسب سنه وشخصيته وظروفه العائلية والنفسية، كما يختلف إدراكه وتفسيره لأسباب وأعراض المرض وكذلك قدرته على التأقلم، تعرض الطفل للإجراءات الطبية التي تتضمن الألم والتوتر يجعله يشعر دائمًا بالاختلاف عن أقرانه والإحباط والغضب وأحيانًا الحزن والاكتئاب لعدم تمكنه من ممارسة حياته بشكل طبيعي، كما يفرض عليه مرضه أحيانًا البقاء في الفراش لفترات طويلة مسببًا تغيبه عن المدرسة وممارسة الأنشطة المختلفة بالتالي تأخر تحصيله الدراسي والشعور بالعزلة والوحدة.

1. قبل سن الثلاث سنوات

الإصابة بالمرض وما يتبعها من إجراءات علاجية قد تتطلب أحيانًا انفصال الطفل عن الأهل ومواجهته الألم والخوف وحدة تؤثر سلبًا على تطور الثقة والإحساس بالأمان بشكل طبيعي، خاصة مع صعوبة شرح طبيعة المرض وإجراءات العلاج بما يتناسب مع إدراك الطفل، قد يساعد تواجد الوالدين أثناء عملية العلاج ومحاولة طمأنته قدر الإمكان على تخفيف صعوبة الموقف.

2. من 3 إلى 5 سنوات

يكمن التحدي في محاولة الطفل الطبيعية للاستقلالية واختبار الحدود، بينما تمنعه ظروف مرضه من التحكم في أبسط التفاصيل اليومية وتجعله مضطرًا للانصياع للأوامر والاعتماد على الآخرين أغلب الوقت، يمكن دعم الاستقلالية بإعطاء الاختيارات بما لا يتعارض مع سلامته وخطة علاجه؛ مثلًا «تحب نبدأ بالدوا الأخضر ولا الأحمر؟ تحب أشيلك ولا تقعد على الكرسي وأنت بتاخد الحقنة؟».

في هذه السن يمكن شرح خطة العلاج وطبيعة المرض للطفل بطريقة مبسطة مع مراعاة صعوبة إدراكه لأسباب وأعراض المرض، هو يعلم أنه مريض ويتألم، ولكنه لا يستطيع أن يفهم سبب تحمله المرض والعلاج.

3. من 5 إلى 8 سنوات

يميل الأطفال للتفكير السحري غير المنطقي، ربما يظن الطفل أنه مريض عقابًا له على ضرب أخيه أو عدم تناوله الخضروات أو عدم طاعته أمه، وقد يشعر بالغضب من والديه أو من الأطباء لعدم قدرتهم على علاجه، كما أنه يميل للعزلة والانطوائية، من المهم شرح طبيعة المرض وخطة العلاج للطفل، مع التأكيد أن إصابته بالمرض ليست ذنبه.

إلى جانب التحديات الدراسية التي تفرضها ظروف مرضه وتغيبه عن المدرسة لفترات طويلة يزداد شعور الطفل بالعزلة والاختلاف عن أقرانه، وتزداد فرص تعرضه للتنمر أيضًا، ربما يتمرد على محاولات التدليل أو الحماية رفضًا للاختلاف عن الآخرين، كما يعجز عن إشباع احتياجه الطبيعي بالتمكن من أدوات بيئته المحيطة والتحكم في حياته، تساعد مشاركة الطفل في عملية العلاج – تحت إشراف البالغين- على دعم شعوره بالتمكن؛ مثلًا: تعليمه كيفية استخدام جهاز قياس سكر الدم أو بخاخة الربو.

4. من 9 إلى 12 سنة

يمكن للطفل الآن إدراك طبيعة مرضه بشكل أفضل والمشاركة في اختيار مسارات العلاج، كلما زادت معلومات الطفل عن أسباب وأعراض مرضه وكيفية سير خطة العلاج، كان التعايش مع المرض أسهل، لا تنتظر منه التصرف كالبالغين مهما بلغت درجة وعيه بمرضه، على الوالدين مقاومة ميلهما الفطري لحمايته، ومحاولة دعم استقلاليته بالسماح بالاشتراك في الحياة الاجتماعية والأنشطة المختلفة سواء داخل أو خارج المنزل طالما سمح طبيبه بذلك.

5. مرحلة المراهقة

تزداد المراهقة صعوبة أثناء التعايش مع مرض مزمن؛ فالتغيرات الفسيولوجية قد تغير من طبيعة المرض ومحاولات الاستقلالية تواجَه بتحديات المراهق الصحية والجسمانية، قلق المراهقين التقليدي حول مظهرهم يتضاعف خاصة في حالة الأمراض التي تؤدي إلى تغير الشكل كتساقط الشعر أو تغير لون الجلد أو السمنة أو النحافة المفرطة.

قد يلجأ عقل المراهق إلى حيل نفسية دفاعية للتأقلم مع الوضع، مما يؤدي إلى أنماط سلوكية مختلفة:

1. «لأ أنا مش عيان»: حالة من الإنكار الكامل للمرض وأخذ المخاطرة التي يعلم يقينًا أنه سيندم عليها لاحقًا كتناول مريض السكري كميات كبيرة من الحلويات مثلًا، أحيانًا يعطي الإنكار دَفعة نفسية إيجابية إلا أنه قد يشكل خطرًا على حياة المريض، وقد يتطور لمحاولة المراهق تجاهل أعراض المرض وعدم الالتزام بجرعات الدواء على الرغم من اهتمامه بدراسة كافة المعلومات المتاحة عن مرضه.

2. «مش لاعب»: التراجع عن الالتزام بخطة العلاج والانسحاب الطفولي نظرًا لعدم قدرته على تحمل الضغوط التي تفرضها حالته الصحية، يختلف عن الإنكار كون المراهق يعلم بمرضه ويعترف به، ولكنه يميل للهرب متبنيًا سلوكًا طفوليًا.

3. «من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة»: بعض المراهقين يعبرون عن غضبهم وإحباطهم وتعرضهم للضغط النفسي بسبب ظروفهم الصحية بالتمرد والندية وإطلاق نيران غضبهم على الجميع بمن فيهم الوالدين، قد يطالهم هذا السلوك العدواني متسببًا في تدمير الذات بداية من ضعف التحصيل الدراسي وحتى تعاطي المخدرات.

في بيتنا مريض: كيف تؤثر معايشة المرض المزمن على العائلة؟

إصابة الطفل بمرض مزمن تفرض تحدياتها على الأسرة ككل وتقع أغلب تلك التحديات على عاتق الوالدين بطبيعة الحال.

1. ما بعد التشخيص: التحديات النفسية للوالدين

أصعب لحظة على الوالدين إطلاقًا اللحظة التي يضطران فيها لمواجهة حقيقة مرض الطفل، فبعد الإنكار ومحاولة إقناع النفس أن هناك خطأ ما في نتائج الفحوصات تنزل صاعقة تأكيد التشخيص ثم تتركهما مصدومين وتائهين بين الغضب والحزن والشعور بالعجز الذي يزيد القلب انكسارًا بمرور الأيام وهما يشاهدان معاناة طفلهما دون تمكّنهما من تخفيفها، يدخلان أحيانًا في دوامة الذنب ولوم الذات والأسئلة اللانهائية: «يا ترى أنا قصرت في إيه؟ چيناتي هي السبب؟ إزاي منتبهتش للأعراض من بدري؟».

2. دعم الطفل في رحلته مع المرض

بدعم الوالدين وتعاملهما الدقيق مع الضغوط وتعزيز مرونة الطفل النفسية يمكن للأطفال التعايش مع المرض وتجاوز تحدياتهم معه ومشاعرهم تجاهه، ولكن يصعب أحيانًا الالتزام بقواعد التربية مع الطفل المريض نظرًا لظروفه الخاصة، تذكّر أن الطفل في كل الأحوال يحتاج إلى التربية ووضع القواعد والحدود ليشعر بالأمان، فوضوية المرض وحدها تكفي لزعزعة ثقته بنفسه وشعوره بالأمان، ضع لطفلك الحدود المناسبة لحالته وألزمه باحترامها، وليبقى سقف توقعاتك مناسبًا لقدراته الصحية.

3. رحلة العلاج والاستنزاف المادي للأسرة

يستنزف المرض المزمن صحة الطفل والوالدين النفسية والجسدية ومدخرات الأسرة أيضًا، ويؤثر على اتخاذ القرارات فيما يخص إدارة الموارد المالية، خاصة في حالة عدم تمتع الأسرة بمظلة تأمين صحي لتغطية تكاليف العلاج، قد يضطر أحد الوالدين للعمل بأكثر من مهنة، أو تغيير طبيعة عمله، وربما ترك العمل أو الدراسة تمامًا للتفرغ لرعاية الطفل، تضطر بعض الأسر لتغيير مكان السكن إما لمكان أقرب للخدمات الطبية اللازمة لحالة الطفل أو لمكان أقل تكلفة لضغط النفقات، وحتى بيع بعض الأصول مما يؤثر بالضرورة على المستوى المعيشي للأسرة ككل خاصة إذا كان هناك أطفال آخرون.

4. كيف يتأثر الإخوة بمرض أحدهم؟

يكتسب الأطفال الذين يحظون بإخوة يحاربون المرض صفات ومهارات إيجابية بفضل معايشتهم لمرض إخوتهم؛ كالصبر وتقديم الدعم والقدرة على تقبل الاختلاف والتعاطف مع الآخرين، كما أنهم يتميزون بالقدرة على التكيف مع الظروف ويطورون مهارات تحمل المسؤولية والدفاع عن إخوتهم.

لكنهم في النهاية أطفال يحتاجون إلى الاهتمام والرعاية وقد يشعرون بالغيرة من اهتمام والديهما بالأخ المريض أو بالإحباط لعدم تمكنهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي أحيانًا رضوخًا لظروفه الصحية إضافة إلى القلق حول حالته الصحية والشعور بالذنب حيال مشاعرهم السلبية تجاهه.

محاولة توزيع الاهتمام على الأبناء بالتساوي مع مراعاة الاحتياجات الفردية لكل طفل بينما يكافح أحدهم مع المرض تشكل تحديًا حقيقيًا للوالدين، ولكن دعم أحد أطفالك في معركته ضد المرض لا يعني أن تترك إخوته يواجهون الحياة وحدهم أو أن تتوقع منهم أكثر مما يمكن توقعه من أي طفل عادي.

كيف يمكن التعايش مع مرض طفلك المزمن؟

لا بد للوالدين أن يتغلبا على مشاعرهما محاولين تمالك أنفسهما والنهوض لخوض المعركة الطويلة إلى جانب طفلهما، فالحياة بعد تشخيص الطفل بالمرض تدور حول تبعاته من رعاية صحية ونفسية واستنزاف مادي وتحديات اجتماعية ونفسية.

1. تعلم عن المرض وعلم طفلك أيضًا

أسوأ مخاوفنا تأتي مما نجهله، لذلك يجب أن تعرف كل شيء عن طبيعة المرض ومساقات العلاج المختلفة، وأن تشرح لطفلك حالته موفرًا المصادر المناسبة لمستوى إدراكه، انعدام الشفافية يترك مساحة لعقل الطفل ليتخيل الأسوأ، يجب شرح طبيعة المرض وخطوات العلاج ومشاركة الطفل في اتخاذ القرار إذ كانت سنّه مناسبة، أشركه في خطة العلاج وأعطه الاختيارات كلما أتيحت الفرصة.

2. التواصل الإيجابي مع الطفل: وضع الطفل في الصورة

الحديث عن مخاوف الطفل بداية بالألم نهاية إلى احتمالات الوفاة مرورًا باحتمالات الإعاقة وصعوبة الحياة اليومية شر لا بد منه، ليس من العدل الاحتفاظ بمعلومات تمس صحة الطفل وحياته سرًا عنه، استمع لمخاوفه باهتمام وحاول طمأنته ووضعه في الصورة، أجب على أسئلته بصراحة مهما كانت صعبة وغير منطقية حتى إذا كانت الإجابة «لا أعرف»، اسأله دائمًا عن شعوره، مبديًا تعاطفك ودعمك، يمكن الاستعانة بطبيب نفسي لمساعدة الطفل أو إرشاد الوالدين عند الحاجة.

3. التخطيط لحالات الطوارئ

حالات الطوارئ أمر متوقع في الأمراض المزمنة، ضع مع طفلك خطة للطوارئ، قم بمراجعتها وتطويرها باستمرار، دربه على التعامل في حالات الطوارئ وكيفية طلب المساعدة، وفر له وسيلة اتصال تمكنه من الوصول إليك في أي وقت، يساعده ذلك على الشعور بالأمان والثقة.

4. وضع المدرسة في الصورة

اشرح للمدرسة حالة طفلك بالتفصيل مع إمدادهم بالتقارير الطبية اللازمة بالإضافة لتخطيط استراتيجية التعامل وكيفية التواصل في الحالات الطارئة، معاناة الأطفال ذوي الأمراض المزمنة تحتم عليهم الانقطاع عن الدراسة لفترات طويلة مما يؤدي لتراكم الواجبات وزيادة الضغط على الطفل وربما تأخره دراسيًا، نسّق مع المدرسة طرقًا للتواصل ومتابعة تقدم الطفل أكاديميًا أثناء فترات انقطاعه، يمكن اللجوء للدروس الخاصة أو التعليم المنزلي إذا لزم الأمر.

5. لا تجعل المرض يعزل طفلك اجتماعيًا

قد يجبر المرض الطفل على العزلة الاجتماعية نتيجة انتكاساته الصحية المتكررة وشعوره بالاختلاف، يمكن بتوفير البدائل بممارسة أنشطة مختلفة داخل المنزل أو المستشفى، ربما يساعده الاحتكاك بأطفال يعانون من نفس حالته على الشعور بالانتماء وتكوين صداقات جديدة، إذا كانت حالة الطفل الصحية تسمح يمكن مشاركته في أنشطة مختلفة بعد استشارة الطبيب.

6. اطلب الدعم

مواجهة كل تلك التحديات أمر شاق على الطفل والوالدين بل والأسرة كلها، والانعزال في فقاعة اجتماعية يجعله أكثر صعوبة، اطلب المساعدة والدعم من العائلة والأصدقاء والدوائر الاجتماعية المقربة، يمكنك أيضًا استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للانضمام أو إنشاء مجموعة دعم تضم أسر الأطفال المصابين بنفس حالة طفلك، أو البحث عن مراكز تقديم الدعم والتأهيل النفسي، كذلك يمكن إشراك طفلك في مجموعات دعم تضم أطفالًا يعانون من نفس المرض، شعور الإنسان أنه لا يعاني بمفرده يخفف كثيرًا من معاناته، كما يساعد تبادل الخبرات على الاستعداد لتبعات المرض ومعرفة أماكن توفر الرعاية الصحية المناسبة.

يحتل مرض الطفل جزءًا كبيرًا من حياته وحياة عائلته، ولكن يجب ألا ينسى الوالدان أطفالهما الآخرين، والأهم من ذلك ألا ينسيا أنفسهما، أن تبتلعهما دوامات المرض فتسلب منهما حياتهما وصحتهما وعلاقاتهما وسلامهما النفسي وتتركهما منهكين محطمين لا يستطيعان حتى دعم أنفسهما ويفشلان في دعم أبنائهما، احرص على اغتنام كل فرصة ممكنة لقضاء وقت ممتع مع عائلتك بعيدًا عن أروقة المستشفيات والتقارير الطبية، حاول مقاومة سيطرة المرض على حياتك وحياة أسرتك.

تذكّر دائمًا وذكّر طفلك أن مرضه ليس ذنب أحد، وليس عقابًا من الله، بل هو محنة في رحلة الحياة، قد تحمل في طياتها منحة ورحمة، لن تجد إجابة عن سؤاله «إشمعنى أنا؟» الذي ربما جال بذهنك في لحظة صعبة تمنيت أن تكون فيها المريض بدلًا منه، فنحن لا نجد الإجابات دائمًا، ولا يسعنا سوى طلب المدد من صاحب القدرة، سبحانه وتعالى.