إذا أردنا أن نحصر عادات وتقاليد بلد ما، أو إذا أردنا أن نقيس خصائص الناس، فلابد أن نأخذ في قياسنا الطفل [1].

 — ماريا مونتيسوري

فالطفل يتشرب ما يشعره وما يراه في بيئته المحيطة بتلقائية وبمنتهى السلاسة والدقة واللاوعي في الوقت نفسه، فجهاز الاستشعار لديه يلتقط ما لا يمكن قياسه أو حسابه من قبل الناضجين، وما لا يمكن لعين الناضج أن تراه بوضوح يصبح لدى الطفل معتقد راسخ يكون جزءًا من شخصيته، فنرى من الآباء أو المعلمين من يشتكون أنهم يتعاملون مع الأطفال بطريقة صحيحة وإيجابية، ولكنهم يجدون من الطفل عزوفًا أو عنادًا أو ربما في بعض الأحيان كسلًا وإحباطًا، وهم لا يدرون من أين يأتي ذلك؟ وكيف يتكوّن لدى الطفل؟

ربما نتعجب عندما نرى مربيًا مثاليًا أو معلمًا مثاليًا – من وجهة نظرنا– وهو يتعامل مع الطفل بمنتهى الحب والتفاهم والتفاني، ثم نجد من الطفل عكس ما هو متوقع منه عندما يمتلك مثل ذلك المربي أو المعلم، فبعض الأطفال الذين يمتلكون معلمين مثاليين يظهر عليهم الإحباط والكسل أو عدم الثقة في النفس، فهو لا يريد أن يحاول أن يكون أفضل، ولسان حاله دائمًا يقول: «لن أستطيع»، والبعض الآخر نراه عنيدًا ينظر إلى ذلك المربي بتحفز يشعرك أن هذا المربي ربما قتل له قتيلًا! وهناك طفل آخر ينخرط في مشاعر خيبة الأمل، مثل نوبة من البكاء الحاد دون سبب يذكر!

تنظر إلى تعامل المربي مع الطفل فتراه محبًا متفهمًا هادئًا يحاول تهدئة الطفل والتعامل معه بمنتهى الإيجابية، فكلماته كلها تدل على وعي وإلمام بطرق التربية الصحيحة والحديثة، ولكن الطفل لا يستجيب! ثم يأتي شخص آخر على غير وعي، وربما أقل كفاءة بكثير من ذلك المربي، فيتحدث مع الطفل ببضع كلمات، فيهدأ الطفل تمامًا كأن شيئًا لم يكن!

إذن فالمشكلة ليست في الطفل، فها هو تجاوب مع شخص أقل كفاءة تربوية وبمنتهى السلاسة! ليس الحب هو الحل لكل شيء، ولكنه يخلق جوًا من الأمان يمكن أن  نبحث فيه عن حلول لتلك الأشياء التي تؤرقنا [2]، ولكي يبحث ذلك المربي عن المشكلة يجب أن يتحلى بالصدق مع نفسه، وأن يواجه الحقيقة بمنتهى الشجاعة، وأن يعرف ما هي المعتقدات السلبية والرسائل الخفية التي زرعها في ذلك الطفل، والتي ربما لا يعلم حتى أنه زرعها، فقد تسربت من خلاله دون وعي، وتشربها الطفل وأصبحت معتقدًا راسخًا لديه.

فما هي المعتقدات الراسخة؟ هي التي سوف يتصرف الأطفال بعد ذلك في حياتهم اليومية وبصورة تلقائية طبقًا لها [3].

المعلم والمربي المثالي هو هبة من الله، ولكنه يمكن أيضًا أن يكون لعنة في حياة ذلك الطفل، فهو ذلك الشخص الرائع الذي لا يخطئ، ذلك الشخص المتفاني الذي لا يكل ولا يمل، ذلك الدءوب على العمل الذي تشعر إلى جواره أنك وبكل بساطة.. لا شيء!

يصدّر ذلك المربي المثالية إلى طفله في كل شيء، ويتوقع منه المثالية أيضًا، وربما يخبر الطفل من خلال كلماته بأنه من الطبيعي أن تخطئ، وأنه لا مانع من أن تحاول، ولا ضير يا صغيري من ذلك، فكلنا خطّاءون، لكن  المربي لا يدرك أن هذا الطفل يشعر بالإحباط لأنه يتعامل مع مربٍ من الدرجة الأولى، ويتملكه القلق من أنه لن يستطيع أن يكون مثله في يوم من الأيام، أو أنه لن يستطيع تلبية توقعاته العالية، والتي لم يحدثه المربي عنها في يوم من الأيام، ولكنه يراها داخل عينيه.

الطالب القلق أو الغاضب أو المحبط لا يتعلم جيدًا، والشخص الذي يسقط في مثل هذه الحالات لن يملك القدرة على استيعاب المعلومات بكفاءة [4]، تلك المشاعر الخفية التي يسيطر عليها المربي والتي تختبئ خلف المثالية والوعي، المشاعر التي تخبر الطفل أنك يجب أن تكون مثاليًا مثلي، بينما لسان حال المربي يقول: لا بأس يا صغيري، فلتكن كما تريد.

تندس الرسالة إلى عمق مشاعر الطفل وتخبره أنك: «لن تستطيع»ـ  بينما لسان حال المربي يقول: «حاول مرة أخرى، فكلما أكثرت من المحاولة اقتربت من الهدف»، فاللسان يتحدث، ولكن لا توافقه تلك المشاعر المثالية التي تسعى إلى الكمال والكامنة داخل المربي، والتي هي جزء من تكوينه.

يعتقد المربي أن الكلمات فقط هي التي تصل إلى الطفل، بينما تلك المشاعر تنسل دون وعي منه إلى داخل أعماق الطفل لتشكل معتقداته الراسخة بأنه لن يكون، ولن يستطيع، ولن ينجح، ثم تترجم تلك المشاعر إلى تصرفات لا إرادية دون وعي من الطفل، فتراه عدائيًا مع مربيه المثالي إذا وصلته رسالة «أنت لست كافيًا»، أو ربما محبطًا إذا وصلته رسالة: «لن تستطيع مهما حاولت، فأنت لست مثلي». أو ربما كسولًا متقاعدًا عندما تصله رسالة: «لا أمل في تغييرك».

عندما تطغى المشاعر على التركيز فإن ما يتم سحقه هنا هو القدرة الذهنية الإدراكية التي يطلق عليها العلماء اسم (الذاكرة العاملة) [5]، فربما تكون نوايا المربين المثاليين رائعة في تربية الأطفال، ولكنها لا تكفي وحدها لتربية أطفال أسوياء.

النوايا لا علاقة لها على الإطلاق بعملية تكوين المعتقدات [6]، المثالية والكمال هما هدفان لا ولن يتحققا في الطفل؛ لأنهما ليسا جزءًا من تكوينه، فقد خلقه الله بتلك النسخة التي تخطئ لتتعلم، ثم تخطئ لتتعلم، ثم تخطئ لتتعلم، وما ذلك المربي المثالي إلا مجموعة من الأخطاء والتجارب اللامتناهية في مراحل عمره المختلفة، والتي في النهاية كونت ذلك الشخص الذي تعلم جيدًا من أخطائه، فصار يمتلك قاموسًا كاملًا بتلك الأخطاء وطريقة تصحيحها.

إذن فلنترك حياة الطفل تسير في مسارها الصحيح، ومسارها الصحيح يتمثل في الأخطاء، فليخطئ آلاف المرات ليتعلم ملايين الأمور التي سوف تجعل منه شخصًا أفضل في المستقبل.