قد يبدو العنوان غريبًا، ولكنه صحيح لا تقلقي دعيني أخبرك قصه صغيرة، ولكن ذات أهميه في حياتي.

ترسل لي الأمهات دومًا استشارات تحمل ضمنيًا تساؤلاً: «كيف أصبحت أمًا مثالية هكذا؟»، ولا أنفك اضحك كلما رأيت هذا التساؤل.

أنا أم مثالية؟! لابد أن تأتي وترى حياتي وترى الفوضى خلف الشاشة، ترى الصغير الذي يلهو بألعابه في كل مكان، ترى فتات الطعام التي وقعت على الأرض وهو يأكل، تشاهدينني وأنا أجر طفلي الصغير وهو يبكي في الشارع، ترى غضبي وصياحي في كل من أمامي أحيانًا، ترينني وأنا نائمة متعبة في المواصلات أو حتى تشاهدي كومة الغسيل التي تناديني منذ ثلاثة أيام ولا أريد أن ألبي نداءها، فيومي مليء بالفوضى لكنك تبحثين عن المثالية.

يؤسفني أن أقول لكِ إنني لست مثالية، ولن أكون ولا أريد حتى، كنت أبحث في الماضي مثلك، فالمجتمع زرع فينا جميعًا مثالية الأمومة، وكأن الأم ملاك لا يغضب ولا يتذمر ولا يخطيء، إنما هي بشر تخطي دومًا وستبقى كذلك.

كنت أحاول ألا أخطئ وأنا أقرأ، فالتربية وتنظيم الوقت، أن أطهو طعامًا صحيًا، وأن ألعب مع طفلي ولا أفعل شيئًا لنفسي، أن أضحي بنفسي في سبيل أمومتي، ولكني كنت دومًا في آخر الليل ألوم نفسي، لشعوري أن تضحيتي غير كافية. كنت أسهر لأحارب شعوري بالذنب حتى أنام باكية متعبة، فأنا لست مثالية كما أريد.

كنت أتساءل لماذا الأمومة صعبة، لماذا تنهار حياتي وعلاقاتي الاجتماعية أمام عيني هكذا، لماذا لا أشعر بالسعادة من قلبي؟!

في حين أن زوجي العزيز يأتي متعبًا من عمله يلعب مع طفلنا، ويذهب ليرتاح ويقضي وقتًا لنفسه يشاهد المباريات دون تقديم أي اعتذارات، وأنا عملي 24 ساعة في اليوم، ولا أستطيع الراحة طوال اليوم. لماذا لا أستطيع أن أفعل مثله؟ لماذا يلومني المجتمع حين آخذ وقتًا لنفسي، ولماذا يؤنبني ضميري حين أخطئ وأشعر بالخزي وتأنيب الضمير في كل أفعالي؟

حينها عرفت أنني لابد وأن أحارب وساوس المثالية.

تغيير القناعات

في كل الفترات المختلفة من حياة الإنسان، يتخذ قرارات جديدة، بعضها بوعي وبعضها يكون تحولاً  في الشخصية دون وعي، تقول لين لوت في كتابها Do it yourself therapy: «إن التغيير ليس سحريًا ولن يأتي من الآخرين ويتكون من أربع خطوات رغبة، وعي، تقبل، واختيارات».

أكاد أجزم أنك مثل معظم الأمهات ليس لديك الرغبة في تكريمك يومًا كأم مثالية مضحية بنفسها، ولكن لديك رغبة في أن تستمتعي بأمومتك وألا تضحي بنفسك وألا يغدو يومك ثقيلاً على القلب.

كما أنك قرأت وتعلمتِ كثيرًا وكونتِ وعيًا لا بأس به وعرفت ما يمكن تحقيقه في يومك وما يسعدك وتخليتِ عن سقف طموحاتك، إذًا لماذا لا تتغيرين؟!

الصعوبة تكمن في أن تقبلي كل هذا وأنت تعودت على اللوم من الآخرين وعلى ألا تظهري ضعيفة أبداً أو مخطئة، ولكن عليك أن تقبلي أن بكِ مميزات وعيوبًا، أن تقبلي نفسك دون نقد ولا اتهام أن تقبلي أن وقت التضحية يمضي، وأنه يمكنك أن تصبحي سعيدة.

حين تتقبلين ستبدأ الخيارات تظهر أمامك، ستتوقفين عن التفكير في الأخطاء، ستتوقفين عن محاولة الوصول للمثالية، ستجدين أنك قادرة على خلق سلوكيات جديدة لتساعدك على التغيير.

التغيير الذي لم يكن ليأتي على يد شخص أو شيء إنما بيدك أنت، التغيير لن يكون سهلاً فأنت تخطين خطوات طفل صغير يستكشف ويجرب ويتقبل أخطاءه بسهولة ويتعلم منها.

ستتعلمين أنك مسئولة عن نفسك، أنك لست ضحية ولست مثالية، وستعرفين حينها أن السعادة ليست الغاية، إنما هي منتج إضافي يساعد في إكمال الحياة بصعوباتها وضغوطاتها.

اخلقي لنفسك الوقت لتمارسي طقوسًا تمنحك السعادة فآوي إلى فراشك كلما أحسست بالإرهاق وتأكدي أن المواعين لن تقتلك أثناء النوم، وأن كومة الغسيل لن تتسلق الحائط، وأنه من الممكن أن تمرحي مع طفلك في الطين ثم تغسلي ملابسكم، مارسي الرياضة أثناء الطبخ، اسمعي الموسيقى أثناء اللعب بالمكعبات، اقرئي في المواصلات.

افهمي أولوياتك وأن هناك واجبات أساسية وأخرى غير ذلك. أشركِي طفلك في مهام البيت تدريجيًا وابحثي دومًا عن الفرص التي تحمله المسئولية، اخلقي وقتًا لمشاهدة الأفلام مجدداً في السهرة، اخرجي وحدك دون شعور بالذنب، اتركي طفلك يقفز على السرير أثناء استمتاعك بقراءة كتابك المفضل فلن تموت المرتبة صدقيني، كلي آخر قطعة حلوى في ثلاجتك واطردي الوساوس التي تتردد وتقول، إن ابنك أو زوجك أولى بها فأنت تستحقين.

لا تلومي نفسك بعد الخطأ في حق طفلك فقط اعتذري وتعلمي أن تضعي استراتيجيات جديدة في التعامل.


كوني إيجابية

بعد أن تغيري نظرتك للأمور وتجعليها أكثر إيجابية، ستجدين طفلك العنيد شخصيته قوية وألعابه المتناثرة فرصة لتعلم النظام وملابسه المتسخة بعد الرحلة بالتأكيد تعني أنه لعب ومرح من قلبه، لن تشعري بنظرات الآخرين وهم يتحدثون عنك وعن شكل أمومتك.

ستستمتعين بوقتك وتسمحين لنفسك بالكثير وستعرفين الفرق بين العطاء والتضحية.

قد يتهمك البعض بالجنون، ولكني أكاد أجزم أن حياتك ستغدو مستقرة أكثر بعدها وعلاقتك بطفلك ستهدأ ولن تبكي ليلًا تعانين من اكتئاب ضياع الفرص في حياتك.

فعدم البحث عن المثالية سيجعلك تعيشين جودة الحياة الحقيقة.

لقد توقفت عن البحث عن المثالية وتقبلت نفسي وعرفت أن لها حقًا علي، أنت أيضًا توقفي عن بحثك عن المتاعب واستمتعي بالنعم الموجودة حولك.