Posted on

في التربية: «إللي انكسر، بيتصلّح»

ربما قضى الإنسان 30 أو 40 من عمره في التغلب على مشكلات السنوات الخمس الأولى!

«برايان ترايسي»

عندما يسمع أو يقرأ الآباء مثل هذه العبارات يشعرون أنهم دمّروا حياة أطفالهم لتعاملهم بصورة سيئة مع أطفالهم في سنواتهم الخمس الأولى، وفي كثير من الأحيان يشعرون ألا فائدة، فقد فات الأوان، وأصبح طفلهم سبعة أو عشرة أعوام.

حقيقة من أسوأ المشاعر لدى المربي مشاعر اليأس، فهي قادرة على تدمير كل شيء، وكثير من الأمهات يرددن: «أنا تعبت، ولم يعد هناك فائدة، فقد رزقني الله بأولاد سيئين لم أستطع تغييرهم». لا تجعلي الإحباط يتسلل إلى قلبك وعقلك، ففي التربية ما كُسر سينصلح بالإرادة والتفاؤل والحب، اليأس أو قلة الحيلة لن تفيدك أو تفيد أطفالك، بل ستزيد من همومك ومشاكلك معهم، فطالما هناك أنفاس تخرج وتدخل، طالما أن قلوبكم تنبض؛ إذن فهناك فرصة للتغير.


نصف الكوب الممتلئ

1. طفلك العنيد الذي لا ينفذ ولا يستجيب لأي أوامر ويفعل فقط ما يريد، هو طفل عنيد، والطفل العنيد بلا شك طفل ذكي قوي الشخصية مستقل بذاته، فلتفرح بما بنيته في طفلك ولا تهدمه، وتعامل معه بالإقناع بدلًا من الإجبار، وإتاحة الاختيارات بدلًا من الأوامر الصارمة.

2. طفلك الحركي الذي لا يهدأ أبدًا، هو طفل أنعم الله عليه بصحة جيدة وحيوية وطاقة كامنة بداخله، فاشكر ربك عليها، ووظفها في رياضة تفيد عقله وجسده بدلًا من مقت حركته وتقييد حريته أو تركه يتسبب في أذى نفسه أو الفوضى في المنزل.

3. طفلك كثير الكلام، هو طفل لديه مهارة التعبير ومهارة الحديث ووصف ما بداخله بدقة وسرد كل ما حدث أمامه، فلو فكرت قليلًا فستجدها مهارة رائعة يفتقدها الكثير، بالاهتمام بها وتطويرها يمكن أن يصبح شخصية اجتماعية أو صحفيًا أو أديبًا ذا شأن عظيم.

4. طفلك الكذاب أيضًا له مهارة عظيمة، وهي تأليف القصص وسردها في حبكة درامية كي تستطيع عدم تفريقها عن الحقيقة، بنمو هذه المهارة والاهتمام بها قد يصبح طفلك من أعظم الكتّاب والمؤلفين في يوم من الأيام، وقد يرجع هذا الكذب لكونك مربيًا قاسيًا في عقابك له عند الخطأ وخوفه منك.


حان وقت الإصلاح

هل كسرت طفلك وتسببت في تكوين شخصيته السيئة، إذن هذا هو الوقت لكي تبدأ الإصلاح فورًا:

1. أنت تستطيع أن تصبح أفضل أب، وأنتِ تستطيعين أن تصبحي أحن أم، من وجهة نظر أطفالكما، مهما كان وقت انشغالكما بالعمل في الخارج، فقد أظهرت دراسة أن الأم العاملة تميل أكثر لتعويض أطفالها عن فترة غيابها عنهم.

2. تستطيعان أن تصبحا صديقين حقيقيين لأطفالكما مهما كان عمرهم، منذ الآن وصاعدًا، فلما يفت الوقت أبدًا، حيث يتعلم الأطفال تعديل سلوكهم لتلبية التوقعات المرجوة منهم والاستمتاع بتفاعل الآباء الإيجابي معهم، ليكونوا عند حسن ظنهم.

3. الآن وقت إصلاح أخطائكما التي ارتكبتماها في حق أطفالكما، بدلًا من البكاء على اللبن المسكوب، فقد حان أن تصبح علاقتكما بهم أفضل، وفي شكل تربوي سليم يطورهم ويجعلهم قادة ومسئولين، كما أوضح Child Mind Institute أن تفاعل الأبوين مع الطفل طريقة أكثر فعالية لتعديل سلوكياته بشكل سهل ومتقبل لدى الطفل.


أخطاء بسيطة خطيرة

1. عدم الثبات على الموقف: السماح لطفلك اليوم باللعب بطريقة ما، ثم منعه من ذلك غدًا. فذلك يشتت الطفل بين الصواب والخطأ دون أن تشعر، ويجعل هناك اختلالًا في مفاهيمه.

2. المدح المفرط والدائم: (كم أنت ذكي) أو (أنت رائع).. حذر عالم النفس البارز «وايسبورد Weissbourd»، في جامعة هارفارد، الآباء من أن مدح الأطفال بشكل مفرط من شأنه أن يضر بالتطور الأخلاقي السليم لأبنائهم، وأن الأطفال الذين يحصلون على ثناء كبير من الأبوين يميلون لعدم القيام بالواجبات الصعبة خوفًا من الإخفاق، وبالتالي عدم الحصول على الثناء الذي اعتادوا عليه.

3. خصوصية الطفل والاستئذان منه: كم من الآباء يفشون كل ما يعيب أطفالهم أمام الأقارب، أو يجعلون طفلهم كالمتحف لمشاهدة الجميع آثار حادث مر به أو جرح حدث له، فيجب الحفاظ على خصوصية طفلك منذ تدريبه على النونية وتغيير الحفاظ له كما ذكرنا في المقال السابق: التحرش بالطفل: بين الجهل والمبالغة تُنتهك الطفولة.

4. لا تمنعه من الأخطاء: حيث إن الطفل يتعلم من أخطائه، ففي الحقيقة هذه الأخطاء هي نتاج التجربة ومنع الطفل من الخطأ هو بالتالي منعه من التجربة، بل في الحقيقة نحن نسرقها من أطفالنا، فبالتجربة ينمو احتكاكه بالمجتمع ويتعلم الصواب فقط عندما يخطئ. ففي دراسة حديثة أجرتها إحدى المنظمات الأوروبية تبين أن الطفل الذي لم تتح له الفرصة للعب والتعرض لبعض المخاطر كالسقوط على الأرض والتعرض للجروح والكسور والقطع، يكون أكثر عرضة لأحد أنواع الخوف المرضي (الفوبيا) عند الكبر، فالأطفال يحتاجون السقوط والإخفاق كي يتعلموا أن هذه الأمور طبيعية، فلو كان إبعاد الأذى دومًا من مهام الوالدين، فحتمًا سيصبح هذا الطفل عديم الثقة ولا يتمتع بروح القيادة.

5. احذر الهاتف الذكي: فانشغالك الدائم به يجعل الطفل يشعر بعدم أهميته عند الأبوين ويتجه لارتكاب – ما تسميه- الحماقات حتى يلفت انتباهك إليه.

6. الاستهانة بالطفل: حيث إن خيال الطفل لا حدود له، فقد يفكر بأمور غير منطقية بالنسبة لنا، لكنها مع التشجيع والاهتمام برأيه سنفهم وجهه نظره ونطور تفكيره ونجعله ينمو بشكل أسرع، كما يجب الاهتمام بتعبير الطفل عن قلقه، حيث قالت بعض الأبحاث إن الآباء دائمًا ما يميلون للاستهانة بتعبير أطفالهم عن مشاعرهم السلبية.

7. التشاجر أمام الطفل: لا تتشاجر أبدًا أمام طفلك، حيث أوضح الباحث «Cummings and Patrick Davies» أن الشجار الدائم بين الأم والأب يخلف آثارًا سيئة عليهم، حيث يمكن أن يصاب الأطفال باضطرابات في النوم ومشاكل صحية مثل الصداع وآلام المعدة، أو قد يصابون بالمرض بشكل متكرر، كما يمكن أن يتسبب في صعوبات التعلم ومشاكل أكاديمية في المدرسة، وقد يصبحون عدوانيين ويتسببون في مشاكل سلوكية في البيت والمدرسة.

8. صداقة لكن بحدود: هناك من يبني جدرانًا عالية بينه وبين طفله، فلا نقاش ولا جدال، وهناك من يصاحبه دون تعليمه أُسس الاحترام والتعامل مع أبويه، وفي كلتا الحالتين يخطئ الأبوان في ذلك، فلابد أن يصبح هناك توازن بين الأبوة والصداقة خلال تدرج طفلك بين مراحل نموه منذ الولادة وحتى الشباب.

9. السخرية من الآخرين: التنمر من الآخرين أمام الطفل يفقده قيمة الدعم النفسي والكلمة الطيبة وتأثيرها على من حوله، فتجعل منه إنسانًا غير شاكر لمن حوله، ولا يشعر بالامتنان حتى ناحيتك كمربٍ بعد ذلك.