Posted on

المكافآت: النظام الفاشل لتعليم الصيام!

عبادة الصوم هي عبادة روحية جسدية، يتعلم منها الطفل الإخلاص الحقيقي لله تعالى، ومراقبته له في السر، وتتربى إرادة الطفل بالبعد عن الطعام رغم الجوع، والبعد عن الماء رغم العطش، كما يقوى على كبح جماح رغباته، ويتعود فيه الطفل الصبر والجَلد.

وقد ربى الصحابة أطفالهم على عبادة الصيام، حيث كانوا يهيئون لهم اللعب أثناء الصيام ليتسلوا بها فلا يشعرون بطول النهار، وجمهور العلماء على أنه لا يجب الصوم على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف، منهم ابن سيرين والزهري، وقال به الشافعي، أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحده بالسبع والعشر كالصلاة.

«منهج التربية النبوية للطفل – محمد نور بن عبد الحفيظ سويد»

مع دخول شهر رمضان الفضيل يتحمس الآباء لتدريب أطفالهم على الصوم، وهو أمر محمود بالتأكيد، غير أن الكثيرين يخطئون في اختيار الطريقة التي يحفزون بها أطفالهم على ذلك، فإحدى أشهر الطرق المتبعة هي تخصيص عدة مكافآت مادية بعدد أيام الشهر الكريم، حتى إذا نجح الطفل في صوم اليوم فإنه يحصل على المكافأة، أو تخصيص لوحة مقسمة بعدد أيام الشهر، حيث يضع الطفل علامة عن كل يوم يصومه ليحصل في النهاية على مكافأة يرغب فيها، وهذا خطأ على عدة أوجه:

1. السعي وراء المكافأة إلهاء عن الغرض الأساسي

ربط العبادة الروحية بمكافأة مادية يفرغها من مقصدها الأصلي، كما أسلفنا فإن الصوم هو عبادة روحية وجسدية معًا، أي أن الهدف منها ليس الامتناع عن الطعام والشراب وحسب، بل تحمل هذا الامتناع ابتغاء مرضاة الله والإخلاص له، ومجاهدة النفس في كبح شهواتها لتهذيبها، وإلا فما اختلف الصوم عن اتباع نظم الحمية الغذائية الصارمة.

كان الصحابة يصوّمون صبيانهم الصغار تدريبًا لهم على هذه العبادة، وكانوا يصنعون لهم لعبة من الصوف، فإذا بكى أحدهم من أجل الطعام أعطوها إياه فينشغل بها حتى إذا حانت لحظة الإفطار فإنهم يجمعون أطفالهم ويدعون الله عز وجل رجاء استجابة الدعاء في تلك اللحظة المباركة، حيث روى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمر قال: «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة».

فنحن نصوم تعبدًا لله، حبًا فيه وابتغاءً لمرضاته، وليس من أجل الحصول على هدية ما، توجيه عقل الطفل للتركيز على الحصول على الهدية لن يساعده على استيعاب الهدف الأصلي من تلك العبادة، لم يكن صبيان الصحابة يصومون من أجل اللعبة الصوف، بل كانوا يتلهون بها عن مشقة الصوم، لكنهم في النهاية يجتمعون لحظة الإفطار ليدعوا الله عز وجل موقنين بالإجابة، هكذا يكون الصوم.

2. فرحة الصائم أم فرحة المكافأة؟

في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، فعند فطره، يفرح بما أنعم الله عليه من القيام بهذه العبادة وإتمامها، وبما أباح الله له من الطعام والشراب الذي كان ممنوعًا منه حال صيامه، وعند لقاء الله يفرح حين يجد جزاء صومه كاملًا في وقت هو أحوج ما يكون إليه.

فإجمالًا اعتماد نظام المكافآت ولوحات التحفيز تدفع الطفل في النهاية للفرح بالحصول على المكافأة المادية أو الإنجاز الشخصي، عوضًا عن التركيز في أداء العبادة نفسها والفرح بها، واستشعاره لرضا الله عز وجل.

3. مراقبة الطفل للتأكد من صيامه، هل تليق؟

في رواية عند مسلم:

كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي.

فاختص الله الصوم لنفسه من بين سائر الأعمال؛ لشرفه عنده؛ ولأنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلا الله، نظام المكافآت يحتم أن يكون هناك رقيب على الطفل –الأم على الأغلب- كي تقرر أحقيته في الحصول على الهدية من عدمها، وهذا بدوره يدفع الطفل للتركيز على مراقبة أمه له وليس مراقبة الله، ورغبته الشديدة في الحصول على المكافأة قد تدفعه للكذب فيأكل ويشرب دون علم أمه ويحتاط ألا تراه، وإذا وكلت الطفل بمراقبة نفسه فقد تدفعه نفسه لأخذ مكافأته بغير حق، وبينما يفرح بالحصول على مكافأته أخيرًا فإن ذلك ينال من تقديره واحترامه لذاته، حيث يمارس النفاق.

4. النقيض.. عدم الحصول على المكافأة

عدم حصول الطفل على مكافأته إذا لم يستطع تحمل الصوم في يوم ما، يولد داخله مشاعر سلبية تجاه هذه العبادة التي حرمته مكافأته نظرًا لمشقتها، وهذا لا يصب أبدًا في مصلحة تعليمه الصوم وتدريبه عليه، أما حصوله على المكافأة رغم عدم إتمامه للصوم فسيدفعه في النهاية للتهاون في الصوم، فهو يحصل على المكافأة في جميع الحالات..

وبالتالي ففي كلا الحالتين التأثير السلبي لهذا التعوّد غير مأمون!


كيف أعلّم الصوم؟

1. الصوم مثل الصلاة، عبادة نقدم على تدريب الطفل عليها في سن مناسبة، دون ربطها بأي مكافآت مادية، بل نربطها بالله الذي نتعبد بها له، نربطها بسببها الحقيقي.

2. يمكننا أن نساعد الطفل على تحمل مشقة الصوم بتوفير أنشطة مسلية تلهيه عن التعب، لكننا لا نحفزه بالهدية المادية المباشرة فيصبح الأمر وكأنه يتعبد من أجلها.

3. علينا تهيئة الطفل لإدراك معاني رمضان، الأخلاق وفضائل الصيام والتحمل وتعريفه على الأخلاق الحميدة وكيف يدفع بها الصوم ومدح الجلد والصبر… إلخ.

4. الطفل بطبيعة الحال يميل لتقليدنا، لذا فتوفير قدوة حسنة له وتقدير مشاركته إيانا في عبادتنا كفيلة بأن يعتادها، فالطفل الذي يعتاد على مشاهدة الأب يصلي نجده يقلد حركاته، كما أن هناك فرحة للأطفال بتنفيذ المهام مثل الكبار، فيصبح صومه ارتقاء لمكانة الكبار، دون أن يُشتت عن الدافع الأساسي من وراء الصيام، كما سنرى الطفل يقلدنا فيفرح لحظة الإفطار ويدعو ربه ليستجيب لدعائه مثلنا.

لذلك علينا عند تدريب الطفل على الصيام الابتعاد عن المكافآت والذهاب مباشرة للأهداف الحقيقية من وراء الصيام، بالمقدمات السابقة، كي نصل إلى نهايات يدرك فيها الطفل الغاية الحقيقية من وراء الصيام.