Posted on

آباء أم آلهة؟

كان الصغير يهرول بخطوات متعثرة من هنا لهناك، ترصده أمه بقلب وجل وتسير وراءه منحنية الظهر لتحاوطه بأطراف أصابعها، ها هو طفلها الصغير يخطو خطواته الأولى نحو العالم.. تلك كانت المرة الأولى التي يجرب فيها هاتين الساقين القصيرتين للغاية، تجربة حقيقية في مكان متسع لا يكتظ بالأثاث، كان يبدو سعيدًا للغاية كعصفور صغير خرج لتوه من العش وأخذ يرفرف بأجنحته الضئيلة محاولًا التحكم في اتجاهه دون أن يصطدم بشيء، كتلة من البهجة تراها أمه تمشي على قدمين، لا يلتفت وراءه ولا يبحث حتى عنها، لا يشغله غير هذا الاكتشاف العظيم: أنا أستطيع أن أمشي.

وفي غفلة اختل توازن الصغير وسقط، اصطدم رأسه في صخرة ولم تلحقه ذراعا أمه حتى مع تلك الإنحناءة التي قصمت ظهرها، الآن قد خبر صدامه الأول مع الحياة: ذراعا الأم حتى وإن حاوطاه لن يشفعا له اختبار الألم!

رجعوا للمنزل بعد ألم وبكاء استمر لبضع دقائق، ثم ذهب في طي النسيان وتجاوز الصغير الأمر ببساطة شديدة، ولكن الأم لم تتجاوز الأمر مثل طفلها، فقد عادت للمنزل بحمل ثقيل من لوم النفس: لقد تسببت في إيذاء صغيري بدلًا من حمايته!

لا أعرف أمًا لم تمر على الأقل بواحدة من تلك الأحاسيس: الندم، الشعور بالذنب، لوم الذات، الإحباط، العجز، القلق، الشد العصبي. لا بأس، كل هذه المشاعر أمر إنساني طبيعي بل وأحيانًا تكون حتمية عندما تترافق مع مسؤولية إنسان صغير يعتمد عليك، فهذه الأحاسيس هي التي تحذرك وتنبهك عند الخطر فهي قد وجدت من أجل هذا، ولكن ألا يدعوك هذا للتأمل كيف أن طفلك – بطل هذا الحدث – قد تجاوز الأمر بهذه البساطة؟

لماذا أنت على عكس الصغير تحتفظين بكل هذا الأثر السلبي لمدد طويلة قد تصل لمدى الحياة حتى إنك قد تعايشت مع كون هذه المشاعر رفيقًا مقيمًا في رحلة الأمومة؟


من البداية: هل نحن آباء أم آلهة؟

هل قضيت الأيام والليالي في تسطير الخطط لأطفالك، أين سيعيشون وماذا سيكون عملهم عند الكبر، وكيف ستعلمهم أفضل تعليم، وتطعمهم أطيب الطعام، هل انتابك الرعب مرة أن يقبض الله روحك، وتساءلت إذا من سيكون لأبنائي سند وظهر، هل تمنيت ورجوت الله ألا تمرض حتى تتم مسيرتك معهم؟

هذا ما يفعله الكثير من الآباء لكن دعني أسألك أأنت من ترزق طفلك وتمن عليه بمتطلبات الحياة، أم أن من خلقه يرزقه من خلالك، وما أنت إلا سبيل لوصول رزق الله له؟ فسواء بك أو بغيرك خالقه مالك أمره يتولى أمره، فلمَ تجعل تلك الحياة الاستهلاكية التي نعيشها تأكل من روحك وتحرمك من رزقك أنت في الحياة الدنيا من زينة الاستمتاع بطفلك؟ هل هو في حاجة للمال الذي تجنيه أم إن رغبته فيك أنت أعظم؟ فلتعلم أنك أنت يا متولي أمر الصغار ما عليك إلا السعي، لكن الرزق رزق الخالق لك أنت القوي وله هو الضعيف، فاهبط لمرتبة البشر!

هل بحثت في كل حدب وصوب حولك كيف تعاقب طفلك لتربيه وتهذبه، هل جربت أن توبخه أو تصرخ في وجهه أو تضرب يده برفق مرة وبشدة مرة أخرى، هل علقت له اللوحات لتعطيه وجهًا مبتسمًا إن أصاب ونقطة سوداء إن أخطأ، هل طلبت من طفلك الاستغفار من خطأ اقترفه – في نظرك – ليسامحه الله، هل أنت تقصد فعلاً مسامحة الإله أم مسامحتك أنت فأنت لابد أنك تعلم أن الله لا يغضب من أخطاء الأطفال فكيف تتقول عليه؟

هل رفضت كل خطاب حثك على ترك الثواب والعقاب لأنه أذى لا يفيد، وأن تتعامل مع طفلك بوسائل تهذيب وإصلاح أكثر احترامًا لكونه إنسانًا مكرمًا، فرددت على هذا بأن استدللت باستخدام الله للثواب والعقاب؟ فدعني أسألك وأنت تثيب وتعاقب طفلك هل اتبعت نفس معايير الرحمة الإلهية فأعطيته عمرًا كاملًا ليصحح مساره حتى لو في آخر نفس له؟ وقبل أن تحاسبه هل أعطيته دستورًا كاملًا يسير حياته ويعلمه ما عليه وما له، وقبل كل هذا هل اطلعت على قلبه لتعرف نواياه ودوافعه ومدى قدرته المادية والمعنوية على تنفيذ الأمر؟ هل علم تمامًا ما في صحيفته وحاسبته على ما فيها  فقط  بتجرد بعيدًا عن كل ضغوطاتك أنت النفسية من الحياة؟ وهل بعد ذلك سبقت رحمتك عدلك في حسابه؟ لماذا تريد أن تعامل طفلك معاملة الآلة للبشر؟ فاهبط لمرتبة البشر!


صراع مع آلهة نفسك

لا ريب أن طاقة المحبة والعناية من الوالدين لأطفالهما صعب أن يضاهيها شيء كمحفز لعطائهما لهم، ولكن في أشد حالات سخاء وجود عاطفة الأبوة والأمومة يزورنا ضيف ثقيل وهو (الإيجو) أو حب الذات، فيجعلك تضل وجهتك بمكر، فها أنت يا أم الصغير تقتاتين على اهتمامك بطفلك وتسهرين الليالي إن مرض على راحته ثم تغضبين عليه من شدة إرهاقك وألمك!

وها أنت يا أبا الصغير تعمل وتكد ليلاً ونهارًا لتفي بحاجات طفلك ثم تنقم عليه لأنه سلب منك حريتك واستقلالك، فكر في السبب الذي يجعلك تعطي بسخاء، أمن أجل طفلك أم من أجل إشباع الضيف الثقيل (الإيجو) الذي يجعلك راضيًا بشدة عن نفسك كلما قدمت أكثر؟ من سيدفع حساب هذا؟ أنت تعطيه بكامل إرادتك واختيارك ثم تلومه بعد ذلك، هل تربيه وتبذل من روحك من أجل صلاحه لنفسه أم من أجل أن تكون أبًا صالحًا وأمًا جيدة؟

لا تحمله ما لا يطيقه.. واعلم ألا ضرر من أن تفكر في ذاتك وأن تتعب وأن تتمنى رؤية نتاج ما بذلته من أجل أبنائك وأن تشعر بكل قوائم المشاعر الضاغطة وحتى أن تخطئ ويراك طفلك تخطئ فتندم فتصحح خطأك، وتجاهد في نفسك ثم تسامحها وتغفر لها فإنك إنسان ولست إلهًا، وهو ليس بهذا الوهن الذي تتخيله حتى تحجب عنه كونك إنسانًا، أنت لست متحكمًا في مصير من وليت عليهم، لست إلا سببًا مهمًا، فلتسعى وما عليك إلا السعي، لقد علمنا الله من قصص من سبقونا، كيف أن الصالح قد يخلق من صلبه فاسدًا جبارًا، والنبي قد يُربى في بيت الكفر، فلا تقف على حافة صراعك مع آلهة نفسك.

واهبط لمرتبة بني آدم ثم اطلب العون من الإله.